Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


العلامة ياسين في خطبة الجمعة: كيف يتوجه المسلمون للحج ولم يستنكروا ما يمارسه الصهاينة من تدنيس لأولى القبلتين


:: 2015-09-18 [23:34]::

ام رئيس لقاء علماء صور للارشاد والتوجيه العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:
" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ "
خلق الله الخلق ليعبدوه ، والإنسان المؤمن هو الذي يثبت على طاعة الله ، ويعبده بإخلاصٍ في السرّاء والضرّاء ،وفي حالات اليسر والسلامة والغنى والطأنينة ، يكون عبداً لله شاكراً له على نعمه ثابتاً على طاعته ، وفي حالات العسر والمرض والفقر والخوف وفي كلّ ضرّاء يكون عبداً لله صابراً على بلائه ، يُبقي أمله بالله عظيماً ويقول : ولعلّ الذي أبطأ عنّي هو خيرٌ لي لعلمه بعاقبة الأمور .
لأنّ المؤمن الحق لا يغادر باب مولاه ، في كلّ أحواله وتقلّباته ، يبقى ملازماً لباب مولاه ، لأنّ باب المولى واسعٌ ، يلتمس من الله سبحانه أن يُبقي عليه نعمه ويبارك له فيها ، وأن لا يُفقده الخير الذي أكرمه به ، وإن كان في ضرّاء يبقى ملتصقاً بباب مولاه ، يرجوه أن يكشف عنه مصيبته ويُخفّف عنه ما هو به ، وأن يبدله حالاً بأحسن منه ، لأنّ الله بيده مقادير الأمور ، فالمؤمن الصادق يوطّن نفسه ، أن يبقى عبداً لله متمسكاً ببابه سواء أعطاه أو منع عنه ، فهو يعبد الله على كلّ حال .
وهناك صنف يتمسّك بالعبادة ما دامت النعم تأتيه من كل جانب ويتكاثر الخير بين يديه ، وأما إذا ما ابتُلي وحلّ به البؤس وابتعد عنه الخير ؛ فإنه يتناسى عبوديته لله سبحانه ، وهذا إنسان يعبد نفسه ويطيع الله لغاية ، وهو مصداق للآية المباركة " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " وينطبق عليه قول الشاعر :
صلّى وصام لأمرٍ كان يطلبه *** فلمّا قضى الأمر لا صلّى ولا صام
نعوذ بالله أن نكون من هذا النوع والصنف من العباد ، ونسأله سبحانه أن يثبتنا على دينه وطاعته ونبقى دائماً في حالة خضوع ودعاء ، إن كنا في نعمة نسأله أن يبقيها لنا ولا يسلبها منّا وأن يثبتنا على طاعته وعبادته ، وإن كنا في مصيبة وبلاء ؛ نسأله وندعوه أن يزيلها عنّا ، وأن يثبّتنا على طاعته ، لأن الله سبحانه أعلم بما يصلح لعبده ، والله لا يريد لعبده إلاّ الخير ، فإن حجب عنه الدنيا ؛ فقد يكون ذلك لمصلحةٍ للعبد ولأنّ الدنيا لا كرامة ولا قيمة لها عند الله ، وليست داراً لإثابة العبد أو معاقبته . وفي الحديث النبوي : لو أنّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما مكّن منها كافراً ، لأنّ دار الثواب والعقاب ليس في الدنيا بل هو في الآخرة .
فقد يُغدق الله على عبدٍ كافرٍ النعم في الدنيا ؛ ليمتحنه ويعاقبه في الآخرة ، وقد يحرم الله عبداً مؤمناً من كثيرٍ من نعم الدنيا ليكرمه الله في الآخرة التي لا يفنى نعيمها ولا تنتهي أيامها . إنّ الدنيا دار بلاءٍ وامتحان ، والآخرة دار ثوابٍ وعقاب ، ولا نسبة بين نعم الدنيا ونعيم الجنة ، كما لا نسبة بين بلاء الدنيا وعذابات النار ، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) : كلّ نعيمٍ دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية .
إنّ المنافق والعاصي يريان الدنيا وما فيها ولا يريان شيئاً وراءها ، لذا إذا حصلا عليها اطمأنا ، وقد يصلّيا ويصوما لأن الثواب والجزاء فيها ، أما المؤمن فلا يراها كذلك لأنه يرى ما وراءها وأن الدنيا فقط مزرعة الآخرة وفي هذا يقول الإمام علي (ع) : إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها شيئاً والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص والبصير منها متزوّد والأعمى لها متزود .
قال الإمام الحسين (ع) : النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا ، وَ الدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون .
وأما المؤمن الواعي فيرى أنّ الدنيا مزرعة للآخرة ، ويتزوّد منها للدار التي وراءها ولا يتزوّد لها ، لأنه يعلم أنها سوف تتركه ، ولو لم يحبّ تركها ، وأنه مغادرها وشاخص منها فلا يشخص لها .
بمقدار ما يتمكّن حب الدنيا من إنسان يخرج منه حبّ الله سبحانه ، وإذا ما امتلأ قلب إنسانٍ بحب الدنيا ؛ فإنه يوظف كلّ شيءٍ عنده في هذه الدنيا حتى صلاته وصومه ، وأما من يتمكن حب الآخرة من قلبه فإنه يسخّر كل الدنيا في سبيل ذلك ، لأن حب الدنيا يدفع صاحبه للظلم والعدوان فيتجرأ على الله سبحانه وتعالى ويتعدى حدوده ويتهم اصدق الناس بالكذب ولو كان قد سمع النبي (ص) يشهد بصدقهم وايمانهم , وعندما يعجز عن شراء دينهم ينفيهم كما حصل للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري , لأنه رفض مداراة الحاكم ولم يبعه دينه فأمر بنفيه فجاءه الامام علي (ع) مواسيا وقال له : يا أبا ذر، إنك غضبت لله فارج من غضبت له.
إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. ما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك. وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حُسَّداً. ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا، ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك . فهذا أبو ذر ذلك المؤمن بكل أعماقه وفي كل الأحوال , ولكن هناك بعض الصحابة ومن كان تحت ظل الرسول (ص) ضعفاء الإيمان ومشككون أو معتمدون على قوتهم , مثل بعض صحابة الرسول (ص) في معركة حنين " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " .
فالدنيا دار الامتحان والابتلاء , فإذا كان أصحاب النبي (ص) – مع أنّ رسول الله (ص) كان بينهم - سقطوا في الامتحان في يوم حنين بعد أن نصرهم الله في بدر , وفرّ أكثرهم يوم حنين وتركوا رسول الله (ص) ، فعلينا أن ننتبه لأنفسنا ونراقب أفعالنا .
سُئل الإمام عليّ عليه السلام يوماً: مَنِ العظيمُ الشقاء ؟ فقال: رجلٌ تَرَك الدنيا للدنيا، ففاتَته الدنيا وخَسِر الآخرة. ورجلٌ تَعبَّد واجتهد وصام رِياءً للناس، فذاك حُرِم لذّاتِ الدنيا من دنيانا، ولَحِقَه التعبُ الذي لو كان به مخلصاً لاستحقّ الثواب .
نحن الآن في أيام الحج وهذه العبادة التي فرضها الله سبحانه وتعالى على من استطاع إليها سبيلاً مرة في العمر بحيث يجب على من ملك الزاد والراحلة وما يمكّنه من إتمام حجه أن يبادر لأداء الفريضة - من الحصول على جواز السفر وتقديم طلب الحج والاتفاق مع جماعة وتأمين الفيزا وتذكرة السفر - فإن تخلف كان عاصياً , هذه العبادة التي أول مناسكها الإحرام من الميقات , بالتخلي عن مظاهر الزينة وأولها الثياب التي تستر البدن ليستعيض الانسان عنها بقطعتي قماش أقل من كفن الميت , ويبدأها بعد النية بترديد ( لبيك اللهم لبيك ) , ومعنى ذلك أن يا رب قد تخليت عن زينة الحياة الدنيا وجئتك ملبياً , وقليل يقول له الله سبحانه لبيك وسعديك , لأنه غّير مظهره ولم يحاسب نفسه ولم يستغفر من ذنوبه .
وأما من كان فعله مجرد تغيير مظهر ولم يحاسب نفسه ويستغفر ربه فيأتيه جواب : لا لبّيك ولا سعديك . لأنّ من قصد أداء فريضة الحج فهو وافد على الله ليخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، إذ هناك فرق بين من يحج وبين من يذهب إلى الحج ، فمن أراد الحج فعليه أن يطيع الله في كلّ شيء ، حتى إذا ما وصل إلى بيت الله يقبله الله لأنه تزيّن بالطاعات ، وأما إذا هيأ كلّ شيء يلزمه في سفر الحج ، دون أن يحاسب نفسه ويطهرها ويتزيّن بالطاعة لدخول بيت الله ؛ فإنّ الله لا ينظر إليه ، فيكون مساهماً بالضجيج ولا يُكتب من الحجيج ، وفي الحديث : ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج .
وحينما يلبس ثوب الاحرام وينزع المخيط عنه ؛ عليه أن يتخلّى عن ثوب المعصية ويرتدي ثوب الإيمان ، فيتخلى عن حب الدنيا ويعيد للناس حقوقهم ، ويعتذر عن ظلمه مادياً ومعنوياً ، لأنه يأمل أن يفوز برضا الله سبحانه ويخرج يوم عرفة من ذنوبه ليعود ويستأنف العمل ولا معصية عليه في سجلّه ، إنّ من كان صادقاً في نيّته ، وكانت نفسه طاهرة فإن الله ليعطيه ما يُعطي ضيوفه في الحج .
فمن قصد الحج وأداء الفريضة ، إذا لم يكن يحب للناس ما يحب لنفسه ، ولم يكن يستنكر ظلم الظالمين ؛ فإن الله لا يقبل حجّه .
فكيف يتوجه المسلمون للحج ولم يستنكروا ما يمارسه الصهاينة من تدنيس لأولى القبلتين ؟ أو كيف لا تمتلئ قلوبهم غضباً ؟ وكيف يسكتون على تواصل حكّامهم مع العدو الصهيوني ؟ .
إنّ من يسكت على الظلم ولم يغضب لله سبحانه ؛ فإنّ الله لا يقبل حجه ولا صلاته ، لأن الله لا يريدنا أن نلبّيه لأداء فريضة الحج كطقوس ؛ بل علينا أن نقول لله في كلّ مورد يرضيه : لبّيك اللهم لبيك ، بأفعالنا وأقوالنا وأموالنا وأنفسنا ، ولبيك بترك المعاصي ومخالفة الشهوات .
إنّ الأمة حينما تداهن أهل المعاصي ؛ فإنّ الله يتركها ويسلط عليها حكاماً ومسؤولين أشرار يستولون على ثرواتها ويستأثرون بكل شيء ، كما هو حال أكثر المسلمين الذين خافوا على دنياهم ، فأتتهم الدنيا وسيخسرون الآخرة .
إنّنا ندعوا كل الشعب اللبناني للتحرك في مواجهة الفساد المستشري في البلد ، والذي يكاد يذهب بكل شيء ، وبالاستمرار بالحراك السلمي والحضاري ، لتغيير الواقع الفاسد الذي أوجده الساسة الفاسدون ، وهذا لن يتم إلاّ إذا تظافرت جهود المخلصين لإصلاح النظام وإسقاط الفاسدين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلِّ اللهم على محمدٍ وآله الطاهرين .