Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


العلامة ياسين في خطبة الجمعة: الجمهورية الاسلامية احتضنت المقاومة في لبنان حتى اصبحت قوة رادعة


:: 2016-02-13 [02:10]::

ام رئيس لقاء علماء صور للارشاد والتوجيه العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:

" تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "
خلق الله سبحانه الإنسان من جسدٍ وروحٍ ، وأعطاه عقلاً وشهوة وسلطةً على كثيرٍ مما خلق ، وبيّن بأن له دار فناءٍ في الدنيا ودار بقاء في الآخرة ، في الدار الدنيا الفانية يفيض الله رحمته على كلّ خلقه ، لكنها محدودة ومتغيّرة من حالٍ إلى حالٍ ، تبدأ من لحظة ولادة الإنسان ، ليبدأ العد العكسي لنهايتها بالموت وخروج الروح من الجسد ، وتبدأ الحياة الآخرة التي لا نهاية لها ، وهي إما سعادة دائمة أو شقاء وعذاب دائم ، بداية الحياة الأخرى من القبر الذي هو إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، يبقى الإنسان في قبره إلى أن يأمر الله سبحانه فيُنفخ في الصّور وتُفتح القبور ، ويقف الإنسان للحساب والجزاء ، فإما إلى جنّةٍ عرضها السموات والأرض فيها ما لا عينٌ رأت وأذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشر ، وإمّا إلى نارٍ وقودها الناس والحجارة ، كلّ بلاءٍ دونها عافية ، وبما أن النفس أمارة بالسوء جاءت هذه الآية الكريمة " تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " ليرتدع الإنسان عن إدارة التسلط والظهور والغلبة والتميّز والتعالي على الناس ، ويتخلّى عن أنانيته ، فيهذّب نفسه ويملك شهوته ويبتعد عن الكذب والحسد والجشع ، ولا يُجحف حقوق الآخرين ، فيُبقي شهوته تحت السيطرة ، فلا يطيعها فيما يُبعدهُ عن رحمة الله ، ويجعله من الخاسرين في الآخرة ، ومن محبّة الله لعباده وليعينهم على طاعته ؛ خلق لهم جنّة ، كل نعيمٍ دونها محقور ، وليردعهم عن معصيته ؛ خلق لهم ناراً ، كلّ بلاءٍ دونها عافية – كما ورد عن أمير المؤمنين (ع) – .
وقد جاءت الآيات الكريمة والروايات الشريفة في وصف الجنة والنار لتؤكّد أن الجنّة نعيمها دائم ، لا يُصيب سكّانها تعبٌ أو هم أو حزن ، يتمتّعون بما تشتهي أنفسهم ، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . قال تعالى " وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " وقال تعالى " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا " وقال تعالى " إِنّ المُتّقينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ " ، وقال تعالى عن أهل الجنة " يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وقال تعالى في سورة الرحمن " فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " .
في الحديث الشريف عن النبي (ص) : أُدخلتُ الجنة فإذا فيها حنابذ [قباب] اللؤلؤ وإذا ترابها المسك . وعن النبي (ص) : ينادي منادٍ [يعني أهل الجنة] : إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبداً ، وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً ، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً .
عن أبي عبد الله (ع) ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي عليهم السلام قال : إن للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا ، فلا أزال واقفا على الصراط أدعو وأقول : ربِّ سلم شيعتي ومحبي و أنصاري ومن تولاني في دار الدنيا ، فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك و شفعت في شيعتك ، ويشفّع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألف من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن شهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت .
وعن الإمام الباقر (ع) : سأل علي (ع) رسول الله (ص) عن تفسير هذه الآية " لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ " فقال : لماذا بنيت هذه الغرف يا رسول الله ؟ فقال : يا علي تلك الغرف بناها الله لأوليائه بالدرّ والياقوت والزبرجد ، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة ، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب على كلّ باب منها ملك موكّل به . وعن أمير المؤمنين (ع) في وصف نهر الكوثر قال : وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه ، حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، ولم يشق بعدها أبدا وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل ، أحلى من العسل ، وألين من الزبد وأصفى من الدمع ، وأذكى من العنبر ، يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان تجري على رضراض الدر والياقوت ، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر ، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة ، يقول الشارب منه : ليتني تركت ههنا لا أبغى بهذا بدلا ، ولا عنه تحويلا . ويقول أمير المؤمنين (ع) – كما ورد في نهج البلاغة : فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ .
وفي القرآن وردت آيات كثيرة تتحدّث عن جهنّم ، قال تعالى " إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا " وقال تعالى " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ " وقال تعالى " لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ " والضريع شوكٌ بأرض الحجاز ، وفي بعض الآراء : الطعام البشع الذي لا يفيد وليس به لذّة ولا تنتفع به الأجساد ، فأكله نوع من أنواع العذاب ، قال تعالى " ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ " وقال تعالى " أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ " وقال تعالى " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " عن النبي (ص) : لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً . قالوا : ما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيتُ الجنّة والنار . وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (ص) : إن أهون أهل النار عذابا رجل منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه مع إجزاء العذاب و منهم من في النار إلى ركبتيه مع إجزاء العذاب و منهم من في النار إلى أرنبته مع إجزاء العذاب و منهم من في النار إلى صدره مع إجزاء العذاب و منهم من قد اغتمر .
وفي الحديث عن جابر عن رسول الله (ص) : إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال . قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار . وعن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا أَ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِيعَ حَجَرٍ وَقَرِينَ شَيْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ . وأما أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار، وغلَّ الأيدي إلى الأعناق، وقرن النواصي بالأقدام، وألبسهم سرابيل القطران، ومقطعات النيران في عذابٍ قد اشتدّ حرّه وبابٌ قد أُطبق على أهله، في نارٍ لها كَلَبٌ ولَجَبٌ ، ولهبٌ ساطعٌ، وقصيفٌ هائلٌ، لا يظعن مُقيمها، ولا يفادى أسيرها، ولا تفصم كبولها ، لا مدّة للدار فتفنى، ولا أجل للقوم فيقضى .
عن رسول الله (ص) : لو أنّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وُضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها . وعن النبي (ص) : لو أنّ سربالاً من سرابيل أهل النار عُلّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه . وقال تعالى " وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّ‌سُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ‌ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا " .
إنّ الإنسان يعيش دار الدنيا وبالموت ينتقل للدار الآخرة ، ودار الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، ينتقل فيها الإنسان من حالٍ إلى حال ، أحوال الناس فيها مختلفة بالأعمار والأرزاق والأشكال ، لكن ليس شيئاً من هذه الأمور هو ميزان التفاضل ، إذ قد يُعطاها العاصي ويُحرم منها المؤمن ، وقد ورد في الحديث : من هوان الدنيا على الله أن يمتّع فيها الكافر ويحرم منها المؤمن . العاقل ينظر إلى الدنيا وينظر إلى الآخرة ، ويدرك أنّ الآخرة لمن عبد الله وأطاعه ، لا يفرح بالدنيا إذا صُبّت عليه ، ولا يأسف إذا حُيّدت عنه ، لأنها دار زوال وانتقال ، همّه أن تكون حياته عامرةً بطاعة الله وطمعه في الجنة وخوفه من النار ، من كان أعمى القلب لا يُفكّر إلاّ في الدنيا ، يملأ حبّها قلبه ، فيصيرُ عبداً لها ، ولا يرى الدار التي وراءها وينساها ، ولا نسبة بين دار الآخرة ودار الدنيا ؛ لا في النعيم ولا في العذاب ، فالمال والصحة وطول العمر ليست من علامات رضى الله سبحانه ، بل قد يُعطيها الله للإنسان انتقاماً منه ، حتى لا يُعطيه شيئاً في الدار الآخرة ، لأنّ الدنيا أنسته ربّه وجزاؤه النسيان في الآخرة " أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى " تكبّر وعصى وأكل الحرام وقطع الرحم وظلم في سبيل هذه الدنيا التي لم تدم لأحد ، ونعيم الآخرة لا يُنال بالتمنّي بل بالتواضع والطاعة والابتعاد عن الحرام وصلة الرحم ، بالمختصر ترك معصية رب العالمين وفعل أوامره سبحانه ؛ حتى لا يكون ممن يريد العلو في الأرض ، فلا يستصغر ذنباً مهما كان صغيراً ، ولا يستثقل واجباً مهما كان كبيراً ، لأنه يسعى للدار الآخرة ، ويرى في معصية الله علواً وتكبّراً وجرأة على خالقه تعالى ، والله سبحانه جعل الجنة لمن لا يريد العلو في دار الدنيا ، فيعرض كل نعيم تميل إليه نفسه على نعيم الجنة ، فإذا كان فيه معصية لله يتركه ويراه حقيراً ويكرهه ، وإذا واجه أمراً صعباً ومؤلماً ويحتاج إلى التضحية ؛ فيراه عافية – وإن تركه كان من أهل النار – بل يتقبّله بكل سرور واستبشار لأنه يريد الآخرة .
إنّ من يرى الدار الآخرة بعين البصيرة لا يلتفت إلى شيءٍ من زبارج الدنيا ، لأن كل همّه أن يُهيّء لدار المقر ، فلا ينشغل عنها بدار الممر ، إلاّ بمقدار ما يمكنه من حياة كريمة بطاعة الله ، فلا يؤنسه إلاّ الحق ولا يوحشه إلاّ الباطل . فلا يكون ممن عناه أمير المؤمنين (ع) في آخر الخطبة الشقشقية ؛ حيث قال (ع) : كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا .
نعيش في هذه الأيام الذكرى 37 لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران ، التي أسسها الإمام الخميني (رض) بعد ثورته على الشاه المتكبّر المتعالي ، لم يكن الإمام الخميني (رض) يفكّر في سلامة دنياه ؛ بل سار على خطى جدّه الإمام الحسين (ع) ، فرأى الموت في سبيل الله سعادة ، والحياة في ظل حكم الشاه الظالم شقاءً وبرماً ، فرفض الدنيا التي عرضها عليه الشاه ، وصدق مع الله ، فكان له ما أراد من إسقاط الشاه وإقامة دولة إسلامية محمدية أصيلة ، دولةٌ صمدت في وجه قوى الاستكبار العالمي التي أرادت استحمار المنطقة واستغلال ثرواتها ، ولأن الإمام الخميني (رض) أخلص نيّته لله وأطاعه شعبه ؛ وصلت إيران إلى ما هي عليه اليوم ، دولة قوية غنية متطوّرة علمياً واقتصادياً ، ومن أفضل دول المنطقة أمناً واستقراراً ، وكلما استُهدفت بعدوان أو مؤامرة كانت هي المنتصرة ؛ لأنّ مؤسسها وقادتها لم يريدوا علوّاً في الأرض ، وعملوا على مواجهة الفساد والمفسدين ، وخاصة الشيطان الأكبر أمريكا والشر المطلق إسرائيل ، فالجمهورية الإسلامية احتضنت المقاومة في لبنان حتى نمت وصارت قوة إقليمية رادعة للعدو من أن يفكّر بالعدوان على لبنان ، قوة تواجه المشروع الصهيو أمريكي الهادف لتقسيم المنطقة من خلال الفوضى الخلاّقة والمنظّمة التي أرادها للمنطقة ، فشكّل المشروع الصهيو أمريكي مجموعات تكفيرية التي لو لم يكن حزب الله في مواجهتها في سوريا لتمدّدت دويلتها إلى لبنان ، لكن سهر الجيش اللبناني على الحدود وتصدّي رجال المقاومة لها ؛ جعل خطر المجموعات التكفيرية يبتعد عن حدود لبنان ، وإن شاء الله سيهزمون ويولّون الدبر ، وتكون الغلبة لإرادة الممانعة في المنطقة ، وستبقى ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة هي الحامية للبنان وحدوده ، وهي المحافظة على ثروات الوطن ، خاصة النفطية منها ، أملاً بأن يستفيق المسؤولون الذين أعماهم كثرة المال الذي استولوا عليه وصاروا لا يفكّرون إلاّ بوضع اليد أكثر على أموال الناس من خلال ضرائب يفرضونها ، وقد أرهقت الشعب اللبناني الذي صبر كثيراً ليحافظ على الاستقرار الذي تهدّده انعدام الخدمات وتصاعد الضرائب .
إنّ مقاومةً تحتفل بذكرى شهدائها القادة في هذه الأيام ، شهداء صنعوا النصر الإلهي ؛ لا يمكن أن تهدأ وتستكين ما دام هناك شبرٌ من أرضنا محتلّة ، وما دام هناك خطر يهدّد لبنان واللبنانيين ، أو هناك حقّ مضيّع .
وأخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .