Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


العلامة ياسين في خطبة الجمعة: هل يُراد من وراء النفايات وتلوث المياه التسبب بالموت للمواطنين


:: 2016-08-06 [00:15]::

ام رئيس لقاء علماء صور للارشاد والتوجيه العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:
" وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
لقد خلق الله الإنسان ؛ وجعل الدنيا ميدان عمل له ، وسنّ له منهاجاً ؛ إنْ سلكه كان من أهل الجنة في الآخرة ، وإن انغمس في الدنيا وشهواتها كان من أهل النار ، وبيّن للإنسان مشارب علاقاته مع ربّه ومع البشر ، وأرسل رسلاً بشرائع وأحكام – عبادات ومعاملات – فبيّن له كيف يعبد ربّه سبحانه ، وكيف يتعامل مع أخيه الإنسان ، وبيّن الحلال والحرام ، وطلب منه أن تكون عباداته ومعاملاته كما أمره سبحانه ، فعقل الإنسان يوجّهه نحو الخير ، ويأمره بأن يبتعد عمّا فيه الخسارة والأذى والألم ، وحذّره من الانصياع للشهوات والغرائز والنّفس الأمارة بالسوء ، النادر من الناس يعصمه الله سبحانه ليكون القدوة والنذير ، وقليل من الناس من يقتدي بأولئك المعصومين ، وكثير من الناس يملأ حب الدنيا قلبه ، فيترك كثيراً من فرائضه وواجباته ، وينقاد لشهواته ، فيخالف الحلال ويوافق الحرام ، وقد وعد الله سبحانه المستقيمين من عباده بجنّةٍ عرضها السموات والأرض ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فيها الخلود ، وفيها النعيم ، وكل نعيمٍ دونها محقور ، فمن كان بصيراً في دنياه ؛ فإنّه بصيرٌ في آخرته وإنّه ببصره الثاقب يتعدّى الدنيا وما فيها ولا يراها إلاّ متاعاً زائلاً ، وليست بدار مقر ، وببصره الثاقب يرى الآخرة هي داره الخالدة ونعيمه الدائم ، فلذا عليه أن يستعدّ ، فلا يشغله متاع الدنيا الفاني عن نعيم الآخرة الدائم ، أما من أعمته مغريات الدنيا التافهة ، بحيث لا يرى من وراء هذه الدنيا شيئاً ؛ فحينها تصير الدنيا كلّ همّه ، فلا يفرّق بين حلالها وحرامها ، وتسقط عنده كل المحظورات ، ويبتعد عن كل ما يقرّبه من الآخرة من العبادات والحلال ، فيعيش المعصية بكل مفصلٍ من حياته المزرية ، فالمنشغلون بتفاهات الدنيا ينسون ربّهم ، ولكن ربّهم لا ينساهم ولا يتعجّل بعقوبتهم ؛ بل يدعوهم إليه ويتحبّب إليهم ، ليغفر لهم ذنوبهم إذا تابوا إلى رشدهم واستغفروا عن ذنوبهم ، لأنّ الله سبحانه عندما شرّف الإنسان بالتكليف ؛ لم يكلّفه الكمال ، فنيل الكمال فوق استطاعة الإنسان " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا " وأمره أن يستعين بربه على شيطانه ، لينجو من حبائل مكره ، فأمر الله سبحانه الإنسان بالاستقامة والخروج من دائرة الشر ، والولوج في دائرة الخير ، وحبّب له طريق الاستقامة ، وفتح له باب العودة عن الذنوب والأخطاء حينما يصيب منها بجهله وبوسوسة نفسه الشهوانية ، وبيّن الله سبحانه للإنسان أنه رب رحيم حتى على العاصين لأوامره بشرط عودتهم إليه سبحانه وعدم الإصرار على الانحراف ، فالله سبحانه يحب التوابين المعترفين بذنوبهم وغير المصرين على اقترافها ، لأنّ الإصرار على الذنب كفر عملي ، قال تعالى عن الكافرين " إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ " ، وعن نبي البشرية محمد (ص) : كلّ ابن آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون .
قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " ففتح الله باب التوبة على مصراعيه ، في الحديث النبوي الشريف : إنّ الله يبسط يده بالليل ؛ ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ؛ ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها . قال تعالى " إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " وقال تعالى " وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا " فالذنب يسبّب الابتعاد عن الله ، وبه يصير الإنسان منفياً عن الساحة القدسية والقرب الإلهي ، والتوبة تعيده إلى ربّه الرحمن الرحيم ، لأنّ التوبة ندمٌ وعودة إلى الله ، لذا أمر سبحانه بالمسارعة إلى المغفرة وتصحيح السلوك المنحرف ، وتقديم الاعتذار لله الواحد القهار ، الذي يغفر الذنوب ويعفو عن التقصير ، بشرط أن يتخذ المذنب قراره الحازم بالإقلاع عن الذنوب ، ويعزم على عدم العودة للذنوب ، ويسلك طريق الباقيات الصالحات والعمل الصالح ، ويجتهد فيما يقربه من ربّه من العبادات والحسنات وعمل الخير ، فيصلح ما أفسده بخطاياه ، ويتحلّى بصفات الإيمان ، ويتعلّم أحكام دينه ليمتثلها بحذافيرها ، ويخلص نيّته لربه دون سواه ، فقد ورد في الحديث النبوي الشريف : إنّما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئٍ ما نوى . فإذا سارع الإنسان إلى التوبة والمغفرة بشروطها ؛ فقد سارع إلى جنّة المأوى التي أعدّها الله للمتقين ، الذين من صفاتهم الغر الإنفاق في سبيل الله في السر والعلن ، وفي السراء والضرّاء ، ويكضمون غيضهم ، ويردّون السيئة بالحسنة .
وقد حثّ الإسلام على العفو والتجاوز عن الخطأ ، وترك العقاب ، لأنّ الله عفوٌ يحبّ العفو ، ولأنّ الإنسان لا يمكن أن يصل إلى صفة الكمال إذا لم يتحلّ بالعفو عن زلاّت الآخرين وهفواتهم ، وصفة العفو جعلها الله سبحانه من صفات المحسنين بقوله " الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " ولنا في نبي الرحمة محمد (ص) أسوة حسنة ، وفي سيرته العطرة وسيرة الأئمة من أهل بيته (ع) صور رائعة ونماذج راقية في الصفح والعفو ، وقد حبّب القرآن العفو – وإن كان قد أجاز الاقتصاص – قال سبحانه " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " وقال تعالى " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ " فالعفو خير ورحمة وإحسان عند من يقدّر ذلك ، ولكن إذا صار العفو سبباً لجرأة المنحرفين والمجرمين على المؤمنين المتقين فلا يبقى للعفو مورداً ، ولا للصّفح محلاً ، بل اللازم حينها الاقتصاص وفرض العقاب على المجرم " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " لحفظ النظام العام ، فالعفو في هكذا مورد يصبح قبيحاً ، عن أمير المؤمنين (ع) : العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم . وقال (ع) : العفو عن المقرّ لا عن المصرّ . وعن الإمام زين العابدين (ع) : حق من أساء إليك أن تعفو عنه ، وان علمت أن العفو يضر انتصرت ، قال الله تعالى " وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ " .
إذن ؛ فالتراجع عن العفو هو استثناء لسير المصلحة العامة والنظام العام ، ولا يجوز أن يكون ذريعة للانتقام من كل من أساء ، فالعاقل ينظر للأمور بإخلاص ، ويبتعد عن التعصّب والأنانية ، ويبقى الأصل عنده أنّ العفو أحسن . والأرقى من العفو هو الإحسان ودفع الإساءة بالإحسان ، قال تعالى " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " وفي سيرة النبي (ص) ما سطّره من عفوٍ لا يضاهيه عفو على مرّ التاريخ ؛ وهو عفوه وصفحه عن أهل مكّة ، فقد قال لهم : اذهبوا ؛ فأنتم الطلقاء . وكذلك عفوه عن اليهودية التي حاولت دس السمّ له ، وإحسانه إلى جاره اليهودي الذي تعوّد الأذية للنبي (ص) ، ولذلك نزلت به أعظم آيةٍ ربانيةٍ " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " .
إنّ العفو والصفح والإحسان ، صفات واضحة في مدرسة أهل البيت (ع) ، يقول تعالى " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " وورد في الحديث الشريف عن نبي الرحمة (ص) : عندما نزلت هذه الآية ؛ سأل رسول الله (ص) جبرائيل (ع) عن ذلك ، فقال : لا أدري حتى أسأل العالِم . ثم أتاه فقال : يا محمد ؛ إنّ الله يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك . وقد عفى رسول الله (ص) حتى عن وحشي قاتل عمّه الحمزة والممثل به .
يروى أن شامياً التقى بالإمام الحسن (ع) ، وبدأ بسبّه وسبّ أمير المؤمنين (ع) ، فلمّا فرغ الشامي من شتائمه ؛ التفت إليه الإمام الحسن (ع) مبتسماً ، وقال له : أيّها الشيخ ؛ أظنّك غريباً ، ولعلّك شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً أويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك ؛ كان أعود عليك ، لأنّ لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عظيماً ، ومالاً كثيراً . فلما سمع الشامي كلامه بكى ، ثم قال : أشهد أنّك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ ، والآن أنت أحب خلق الله إليّ. وحوّل رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً بمحبّتهم .
فالعفو والصفح والإحسان ؛ يحوّل العدو إلى صديق ، وخاصة عفو القوي عن الضعيف ، والغني عن الفقير ، والحاكم إذا تحلّى بصفة العفو والصفح والإحسان ؛ فإنّ ملكه يقوى ويدوم أكثر ، عن النبي (ص) : عفو الملوك بقاء الملك .
فبالعفو تسود المحبّة في المجتمع ، لأنّه يطفيء نار الحقود في النفوس ، عن رسول الله (ص) : تعافوا تسقط الضغائن بينكم . والعفو يسبب لصاحبه راحة نفسية وسكينة قلبية ، فلا يصاب بأمراضٍ عصبية ، وهذا من دواعي طول العمر ، في الحديث عن النبي (ص) : من كثر عفوه مُدّ في عمره . وفي الآخرة فإن الله سبحانه يثيب ويعفو عن العافين ، لأنّ الله يحب العفو ، عن أمير المؤمنين (ع) : العفو مع القدرة جُنّة من عذاب الله سبحانه .
إننا نستغرب الصمت العربي والعالمي إزاء ما يجري في البحرين من قتل بطيء تحت التعذيب للمواطنين واعتقال آخرين وقمع حريات دون أن يرف جفن لمدعي الحفاظ على حقوق الإنسان في المجتمعين الدولي والعربي ، من هنا نحذّر من أن هذه الممارسات التي يقوم بها حكّام البحرين قد تؤدّي إلى انفجار واسع لا تريده القوى الشريفة في العالمين العربي والإسلامي .
إن العملية النوعية التي نفذها الجيش ضد الإرهابيين والتي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة لأن الجيش هو العين الساهرة على أمن هذا الوطن والحفاظ عليه لبقاء لبنان موحدا" ومنيعا" في إطار معادلة الجيش والشعب والمقاومة.
عودة إلى الشأن الداخلي في البلد ؛ إننا سمعنا الكثير عن معالجة النفايات والفساد– على أنواعه – وملف الاتصالات ، وما زلنا نرى بصمات هذا الفساد في كل الإدارات ، وما زالت النفايات تملأ الشوارع ورائحته تزكّم أنوف المواطنين ، وسمعنا الكثير عن تلوث مياه الليطاني ؛ وما زالت المياه ملوثة دون أن يرف جفن لأي من المعنيين . إننا نتسائل هل يُراد من وراء النفايات وتلوث المياه التسبب بالموت للمواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة في هذا البلد الذي لا يهتم مسؤولوه إلاّ بشؤونهم وحرتقاتهم السياسية ؟ . ما زالت الأصوات النشاز ترتفع بين الحين والآخر بمواقف تثير الحساسيات الداخلية وتهدّد بالمزيد من الانقسام ، إننا نعتبر أنّ أكثر صفة تلائم هذه الإدارة فاسدة ، وهؤلاء المسؤولين هذه الأيام كثيرو الكلام وقليلو الأفعال ، والمواطنين في كل المناطق متروكون لقدرهم.
وآخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين ، والحمد لله رب العالمين .