Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


دواة حنين


بقلم فتون نعمة :: 2016-09-08 [19:42]::
أجمل ما فيه اختزاله لأرق اللحظات، رعشة خفيفة على قيثارة أوراقه المتساقطة، أخبرتني بأنه قادمٌ...
هو الحنين يـُعيدني الى اشياءه القديمة, ولا يـُعيده اليَّ!
ذات خريف قلتُ له : ابقَ ولا تجعل الباقية هي ذكراكْ ..!لكن الصوت لم يصل! كان وقع خطوات الرحيل أكبر من ذبذبات الحنين ..!
كان الانتظار، يعيث الضجيج في الذاكرة، ونوافذ النسيان بعنفٍ موصدة ، فكان لهُ نكهة الفراق والوجد، وشمس خجولة، ودفء كاذب! يومها ظننتُ بأنَّ الكلام احترق بينَ أصابعي!
لكن تلك الأغنية التي نسيت أن تكبر، وبقيت السيّدة فيروز وشهر أيلول كل ما بقي في داخلي. وبقيَ الحنين حلم .. لا يستطيع أن يقتات من قلبي، وكان يكبر..
وحده ذاكَ الصوت الذي كان يتوضأ في ساقية النور كان يأتيني حاملاً معه كل معاني الحب والجمال ليتحرّش بأوراقه، لتوقظ ذاكَ الحنين الدافئ وحزني العصيّ على النسيان..‏ فماذا أفعل إذا كانت حياتي مكونة من أرق وغربة وحنين؟!!.‏
يملأني إحساس باليتم, فأحلم بصدفة تجمعني بك.. وأبحث عنك بلا شعور.. فيأخذني الحنين إليك.
حاجز الحروف ما زال مقفلا... والحنين يسابقني كالبرق... أنتظر هبوب العاصفة لأرمي على أكتافي شالاً من الشجن لأدندن : رجع أيلول وأنتَ بعيد.
وانتَ بعيد ... !! لها رنـّة تدور كالسواقي الحزينة , وأمسي كالتواريخ المنسية، عندما تـُرافقـُني جوقة من الصمت، وأنا أخبّىء آهتي ,وحـُلم، وكمشة من الغيم , وكأن بي مقدار من التوحد , أراقب السماء وهي تخلع قميصها الأرجواني على الأرض, لتوزع أوراق حنطة صفراء على الكون وهي تجـرُّ خـُصلات ذهبية من شمس غاربة تتأمل تململ الاراجيح الفارغة, وعتبات البيوت التي صارت أكثر عـُزلةً. ما لنوافذ الجيران مـُغلقة على حكايات؟! والأرصفة شبه نائمة وتخلو من خـُطى العابرين.
ضوء خافت لنجمة ناعسة إندست في الرمل و طلبت حق اللجوء على الأرض .
خـُرافي هذا المساء , فيه الكثير من الليل , ودائماً مع العتمة يأتي حنيني وكأن الحنين غريزة في أيلول !وكأنه موعد لتوزيع الأحلام على البشر! وان شئت هو أنسب وقت لننشغل بهم .
أتفاوض مع غيابه بعد أن ترمـّدت عين الانتظار وتقوست حدبته وأقول : لو يأتي ... تذكرتٌ حيلة لأحد عجائز الحي , كانت تركب مـُكنستها كل حين وتأتينا بوصفات تـُعيد الغائبين , فتشت عن عـُلٌبة ثقاب , وفحم أشعلت البخور , وشيئاً من أثره، وقلت : يا أيلول , يا ربيب المـُتعبين , أخبره أنني : اشتقته !
أقرضهُ سهري وحنيني, افرد ملامح وجهي في أول دُرج من ذاكرته وفي آخر دُرج وما بينهما .
إنسل خيوط غـُربته خيطاً وراء خيط ، عاتبه : " لماذا مشينا بكل اتجاه , ولم نمش ولو مرة نحونا " ! إفتح شبابيك بريده على آخرها , أطلق زاجله أو اربطهُ بأصابع الريح مع زوّادة فرح لعل الغد يأتيني بصباحات جديدة. أخبره : ان أسوأ ما في أيلول أن تبقى المشاعر حاسرة الرأس هكذا دون دفء, وأن وجه المشتاق وجه حزين وإن الحنين إذا كـُتِم يقتل .
دُق له مسامير الضجر في جسد انشغاله , دعه يحوم في فراغ الأسئلة , اطو غـُربته في منديل وارمه للريح .
زُم شفاهك وانفخ في نايك وغني : مشوار جينا ع الدني مشوار... فالعـُمر يقف على ساق ويمر مـُسرعاً وكأنه لا يمر, والحياة كل الحياة هنا الان .
أيلول ...! يا مـُمسك حبل السحاب خـُذ بيده , هيىء له ذراعيك ,احتويه , فقط احتويه .أخبره : ما زال في السراج زيت نذرناه لسهر طويل , فليأتِ وأنا في عزّ البوح قبل أن تنطفىء الحواس, قبل أن يرتبك الحظ , قبل أن أُخطىء في رسم تفاصيله .
اخبره أنني : سأتبرأ من الحنين ثلاثاً لو ضمّ الحكاية لموسم آخر .هو يا أيلول إختار بملء كله أن يصمت معي...
كيف للأيام تبدّل العواطف والذكريات؟! ماذا يمكنني أن أفعل أمام كوارث العصر ونكباته..؟!! أيمكن لغيمة أيلول أن تصير خيمة لنازح أو يتيم؟.. أيمكن أن تتحول شمسه الخجولة إلى أرغفة خبز أو حقائب مدرسية محمّلة بنور الحب والحياة.‏
أيلول.. هل يمكن أن نحتمي بك كأطفال صغار لا يعرفون الكره والأذى أو الخيانة.. هل يمكن أن نعيش بسلام دون حقد أو ضغينة.؟!!‏
هل نستطيع الآن أن نحمل الصدق والوفاء في نفوسنا ليزهر الخير والجمال حولنا؟.. لماذا لا نجعل العطاء عنوان التواصل مع غيرنا فنكتب بالطهر والنور حكايات العشق للأرض والإنسان، ونترك أيلول يسطر أوراقه على ضفاف مشاعرنا وأحاسيسنا لتكتمل لوحة الحنين للوطن والإنسان.‏ هل يعيد لنا أيلول من رحل ومات؟!