Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة "علي (ع) والقرآن" لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2017-06-16 [23:33]::
قال رسول الله (ص) : عليّ مع القرآن ، والقرآن مع علي .[رواه الهيثمي والطبراني وابن حجر وغيرهم]

ولد أمير المؤمنين (ع) في الكعبة ، قبل البعثة بعشر سنين ، واختص به رسول الله (ص) وهو طفل ، وتكفّله في حياة والده أبي طالب (ع) ، وكان علي ملازماً لرسول الله (ص) حتى في فترة تعبّد النبي (ص) في غار حراء ، رافق نزول القرآن في كلّ مراحله ؛ ابتداءً من قوله تعالى ﴿ اقْرَأْ ﴾ ، يقول علي (ع) في خطبته المسماة بالقاصمة : ولقد كان (ص) يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما ؛ أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة . ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (ص) ، فقلت : يا رسول الله ؛ ما هذه الرنة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته . إنك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلا أنك لست بنبي ، ولكنك لوزير ، وإنك لعلى خير .

واستمرت مرافقة الإمام علي (ع) لنزول القرآن في كل المواقف والأحداث والمواقع ، وكان للنبي (ص) عناية خاصة بعلي (ع) ، وكان علي (ع) كثير الأسئلة للنبي (ص) ، وقد تعلّم من رسول الله (ص) ألف بابٍ من ، كما قال (ع) :علّمني رسول الله (ص) ألف بابٍ من العلم ؛ يُفتح لي من كل بابٍ ألف باب .

وعهد له النبي (ص) بما لم يعهده لغيره ؛ يُنقل عن ابن عباس قوله : كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إلى علي سبعين عهداً ، ولم يعهد إلى غيره .فجمع آيات القرآن كلّها كما أملاها عليه رسول الله (ص) ، وكان يقول (ع) : إنّ كلّ آية أنزلها على محمد (ص) عندي بإملاء رسول الله وخط يدي . وجاء في قول رسول الله (ص) : علي أعلم الناس بالقرآن والسّنّة . وقوله (ص) : علي مع القرآن ، والقرآن مع علي . وكان علي (ع) يقول في مسجد الكوفة : سلوني قبل أن تفقدوني ... سلوني عن كتاب الله، فإنّي ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل ... والله إني لأعلم بالقرآن وتأويله من كلّ مدّعٍ علمه ، فوالذي خلق الحبّة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آيةٍ ؛ لأخبرتكم بوقت نزولها وفيمن نزلت . وكان (ع) يقول : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وفيمن نزلت .

وجاء عن الإمام علي (ع) أنّه قال : ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أقرأَنيها وأمْلاها عليَّ، فأكتبها بخطّي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومُحكَمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلِّمني فهْمها وحِفظها، فما نسيت آية من كتاب الله، ولا عِلماً أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي ما دعا، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علم أملاه علي فكتبته منذ دعا لي بما دعا، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهى كان أو لا يكون من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس منه حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكمة ونوراً لم أنس شيئاً، ولم يفتني شيء لم أكتبه .

القندوزي في الينابيع : وفي المناقب بسنده عن عامر بن وائلة قال : ( خطبنا عليّ بن أبي طالب على منبر الكوفة فقال : أيها الناس ! سلوني ، سلوني ! فوالله لاتسألوني عن آية من كتاب الله إلاّ حدثتكم عنها ، متى نزلت بليل أو نهار ، في مقام أو مسير ، في سهل أم في جبل ، وفي من نزلت في مؤمن أو منافق ، وما عنى الله بها عام أم خاص !، فقال ابن الكوا : أخبرني عن قوله تعالى: ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات أُولئك هم خير البرية ( فقال (ع) : أُولئك نحن وأتباعنا ، وفي يوم القيامة غراً محجلين رواءً مرويين يعرفون بسيماهم . عن ابن مسعود : إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلاّ وله ظهر وبطن ، وإنّ علي بن أبي طالب (ع) عنده علم الظاهر والباطن . يقول عبد الله بن عباس : والله لقد أعطِي علي بن أبي طالب (ع) تسعة أعشار العلم ، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر .

وبهذا كان الإمام (ع) عِدلُ القرآن ، فهو كتاب الله الناطق والقرآن كتاب الله الصامت . فإنه (ع) يقول : ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم ، ولكن أخبركم عنه ؛ إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة ، وحكم ما بينكم .

قال (ص) : علي مع الحق ، والحق مع علي يدور معه كيفما دار . فأمير المؤمنين (ع) والأئمة المعصومون (ع) من بعده هم أعرف الناس بالقرآن وبتأويله ، لذا قرنهما الله وبيّن للمسلمين أنّ من أراد الحق فليرجع للقرآن وللعترة ، إذ كل منهما مكمّل للآخر ، ولا يتم العمل بالقرآن دون التمسّك بالعترة الذين أمروا بالرجوع للقرآن .

كثيرة الآيات والروايات التي تحدّثت عن علي (ع) وبيّنت حقّه ومكانته قبل الهجرة النبوية الشريفة وبعدها ، في حديث الدار إظهار علني للدعوة عندما أمر الله عزّ وجل نبيّه (ص) ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ وأمام عمومته وضع النبي (ص) يده على كتف علي (ع) قائلاً : أنت خليفتي ووصيي من بعدي . وقال لعمومته : اسمعوا له وأطيعوا . ولم تكن مواقف رسول الله (ص) من علي (ع) مواقف عاطفية ؛ لأنّه ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ وبعد الهجرة النبويّة إلى المدينة آخى النبي (ص) بين المهاجرين والأنصار ، وآخى بينه (ص) وبين علي (ع) ، وزوّجه ابنته فاطمة (ع) ، ولم يكن النبي (ص) يدع موقفاً إلاّ ويبيّن فيه فضل علي (ع) وعلمه وتقدّمه وعدم جواز التقدّم عليه ، فهو نفس النبي (ص) بنص آية المباهلة ، وهو الولي بنص آية التصدّق ، وعنه تحدّثت سورة الدهر ، ولتأكيد إمامته وخلافته للنبي (ص) نزلت آية التبليغ ، وبعد أن قال النبي (ص) : من كنت مولاه فهذا علي مولاه . بايعه الحجيج ، وكانت تهنئة عمر بن الخطاب له بقوله : بخٍ بخٍ لك يا علي . فنزل قوله تعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ وختم النبي (ص) حياته وهو يردد : إني تارك فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، هم حبل الله المتين وصراطه المستقيم . كلّ ذلك لضمان تطبيق الإسلام والتمسّك به بتمامه وكماله .

لكّن الغرائز والأهواء والعصبية كانت أقوى من ثبات المسلمين على وصايا النبي (ص) ، فتركوا وصيّة نبيّهم فلم يولّوا علياً الأمر ، وتولاه من هو أدنى منه علماً وتقوى وجهاداً ، وما من أمة وكّلت أمرها رجلاً وفيها من هو خير منه إلاّ وانحرفت وتنازعت أمرها ، فيصيبها الفشل ، مع أنّ علياً (ع) الذي عمل بعد رحيل النبي (ص) على جمع القرآن كما نزل على رسول الله (ص) ؛ استمرّ بالحرص على المصلحة الإسلامية العليا ، وكان المرشد والمرجع لمن تولّى الخلافة ، قائلاً : لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بذلك جور إلاّ عليّ خاصة . وكانت مقولة عمر : لا كنت لمعضلةٍ ليس لها أبو الحسن . وقوله : لولا علي لهلك عمر . وكانت سيرة الإمام علي (ع) مع عثمان كمن سبقه ، لكنّ عثمان عندما سلّم أمور الخلافة لبني أميّة وجعلهم ولاة على الناس وآوى مروان الذي كان النبي (ص) قد أبعده مع أبيه الحكم ، وبقيا في النفي في عهد أبي بكر وعمر ، وصار مروان صهر الخليفة بزواجه من ابنة عثمان ، واستلم ختم الخلافة ، ثار المسلمون بسبب ظلم بني أميّة ، حيث كان الوالي يرى ويصرّح : أن العرب بستان قريش . وكان يأمر الجابي بقوله : احلب الضرع ، فإن جف الضرع فاحلب اللبن . وبعد أن يئس المسلمون من اصلاح الشأن ثاروا على عثمان وهاجموا داره ، فأرسل الإمام علي (ع) ولديه الحسن والحسين ووقفوا على باب دار عثمان دفاعاً عنه ، محاولين منع قتله ، حتى لا تقع فتنة بين المسلمين ، لكنّ الثوار حينما رأووا أولاد رسول الله (ص) على الباب شاغلهم بعضهم وتسلّق آخرون الحائط وصعدوا إلى عثمان وقتلوه ، بعدها الكل توجّه إلى علي (ع) ليبايعوه خليفة لرسول الله (ص) وليسير بهم بسيرة النبي (ص) وبكتاب الله ، وتمسّكا بالكتاب والعترة ، فيستجيب الإمام (ع) للناس ويقبل بيعة لم يطلبها ولم يسعَ لها ، وتحدّث أمير المؤمنين (ع) عن ذلك بقوله : فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشقَّ عطفاي، ومجتمعين حولي كربيضة الغنم . فقبل علي (ع) بالأمر وبايعه من في المدينة من الصحابة وغيرهم ، بما فيهم طلحة والزبير الذين كانا في طليعة المبايعين لعلي (ع) ، الذي عمل بالعودة بالمسلمين إلى سيرة رسول الله (ص) بأنّ الناس سواسية في الحقوق ، قائلاً لهم : فأنتم عباد الله والمال مال الله ، يقسم بينكم بالسويّة ، لا فضل لأحدٍ على أحد ، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء .

لم يطب الأمر للبعض ، ومنهم صحابة ، لأنّ الطبيعة عادت كما كانوا بالجاهلية ، وذاق البعض حلاوة الدنيا وزينتها ، وبعد أن صاروا أصحاب أموال وجاه ، أنساهم قوله تعالى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ وفيهم يقول أمير المؤمنين (ع) : كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ [ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ] بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا .

وأعلن (ع) عن سياسته في إدارة شؤون الحكم والإدارة والمال ؛ بإعادة الأموال التي اقتطعها عثمان لمن لا يستحق ، قائلاً : والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته ؛ فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالفجور عليه أضيق . وقال (ع) : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال فإن الحق القديم لا يبطله شيء .

أراد البعض أن يضمن امتيازاته ، ومنهم طلحة والزبير اللذين رأيا أنّ لهما في الأمر ؛ لأنهما كانا ممن حرّض على عثمان ، فجاءا إلى الإمام علي (ع) وهو يكنس بيت المال ،وكان قد أشعل شمعة ، فحينما عرف أنّهما جاءاه لأمرٍ شخصي أطفأ الشمعة ، وأخرج شمعة من جيبه فأشعلها ، فسألاه عن السبب ؟ قال (ع) : الأولى من بيت مال المسلمين ، وكنت أعمل للمسلمين ، وبما أنكما في شأنٍ شخصي أشعلت شمعة من مالي . فنظر أحدهما للآخر – كأنّما قالا : إذا كان علي لا يتصرّف بشمعة في غير وجهها ؛ فلن تنفع مساومته . فعدلا عن مشروعهما وقالا لعلي (ع) : جئنا نودّعك نريد العمرة . فطلب منهما تأكيد البيعة . وخرجا من المدينة والتقيا في الطريق بأم المؤمنين عائشة التي كانت تحرّض على عثمان قائلةً : اقتلوا نعثلاً قد كفر . وتوجّه خطابها لعثمان – وهي ترفع بيدها نعلي رسول الله (ص) – قائلةً : يا عثمان هذان نعلي رسول الله لم يبليا وقد أبليت سنّته . ويتفّق الثلاثة على الخروج للبصرة للتأليب على علي (ع) ، ومعهم الحاقدون من بني أمية ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم ، وتكون حرب الجمل – وهي حرب الناكثين - ، فتكون الغلبة فيها لأمير المؤمنين (ع) الذي انتقل للكوفة ليكمل الإصلاح في أمة رسول الله (ص) بعزل غير المؤهلين من العمال قائلاً للمغيرة : لا يسألني الله عزّ وجلّ عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً ، وما كنت متخذاً المضلين عضداً.

أعلن معاوية العصيان وأعلن الحرب على أمير المؤمنين (ع) ، فكانت حرب صفّين التي قاتل فيها أمير المؤمنين (ع) القاسطين ، وانتهت بالتحكيم وانقلاب جماعة على الإمام (ع) وخرجوا عليه فنكثوا البيعة وأعلنوا الحرب على الإمام بعد أن كفّروه ،وكانت حرب المارقين وكانت الغلبة لعلي (ع) ، وهذا ما كان النبي (ص) أخبر به الإمام علي (ع) : إنّك يا علي تحارب بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين ، يا علي ستقاتلهم على التأويل كما قاتلتُهم على التنزيل .

وحاول أمير المؤمنين (ع) جاهداً في تطبيق المباديء الإسلامية ، فاعتمد سياسة الصدق وعدم المداهنة ، وكان (ع) يقول : لولا كراهية الغدر كنت من أدهى العرب ، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار . وعمل (ع) على اختيار العمّال الصالحين من ذوي الكفاءة ، ومما جاء في عهده لمالك الأشتر : واصطفِ لولاية أعمالك أهل العلم والورع والسياسة .

ونهى العمّال عن أخذ الهدية : أيما والٍ احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه ، وإن أخذ هدية كان غلولاً ، وإن أخذ رشوةً فهو مشرك .

يكفي العودة إلى عهده (ع) لمالك الأشتر الذي عهده إليه عندما ولاّه مصر ، وفيه بيان ما يجب على الوالي لقيام مجتمع عادل ، له حقوقه وعليه واجباته ، ليعمّ العدل والسلام ، عهدٌ يصلح برنامجاً لكلّ حاكم وكل حكومة ، ومنهجاً لحقوق الإنسان ، ولو لم يكن فيه إلاّ قوله (ع) لمالك الأشتر يوصيه بالناس لكفى ، قال (ع) لمالك : ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان ؛ إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق . وكان (ع) يقول : لو ثُنيت لي الوسادة لحكمتُ بين أهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل التوراة بتوراتهم وأهل الزبور بزبورهم . لكنّ عبيد الدنيا وأصحاب المصالح لم يتركوا عليّاً يطبّق تعاليم الإسلام ، وكانت فترة خلافته حروباً للناكثين والقاسطين والمارقين ، وهو يتهيّأ لاجتثاث جرثومة الفساد معاوية ، وهو في محرابه في التاسع عشر من شهر رمضان وفي سجوده لصلاة الصبح يضربه أشقى الأشقياء ابن ملجم على أمّ رأسه بسيفٍ مسموم ، فقال علي (ع) فزتُ وربّ الكعبة .ويحمل إلى مصلاّه في بيته ، فتح عينيه وقال : الرفيق الأعلى خيرٌ مستقرّاً وأحسن مقيلاً . ثم قال : ضربة بضربة أو العفو إن كان ذلك . أغمي عليه ثم أفاق فقال : رأيت رسول الله (ص) يأمرني بالرواح إليه عشاءً – ثلاث مرّات - .

ثمّ أوصى بعدوّه قائلاً : أطيبوا طعامه ، وألينوا فراشه ، ولا تمثّلوا بالرجل ، فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور . وعهد بوصيته لولده الحسن (ع) ، وأوصى وهو على فراش الموت بوصايا عديدة ، ومما جاء فيها : أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أَلاَّ تَبْغِيَا اَلدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا وَ لاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولاَ بِالْحَقِّ وَ اِعْمَلاَ لِلْأَجْرِ وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا ص يَقُولُ صَلاَحُ ذَاتِ اَلْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَ اَلصِّيَامِ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْأَيْتَامِ فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْقُرْآنِ لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لاَ تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ اَلتَّبَاذُلِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلتَّدَابُرَ وَ اَلتَّقَاطُعَ لاَ تَتْرُكُوا اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ .

أوصى بإقامة المجتمع الفاضل الذي سعى إليه ، ثم أغمض عينيه الكريمتين على الحق ، وبعد تغسيله وتحنيطه بفاضل حنوط رسول الله (ص) وتكفينه ؛ حمل بوصيةٍ منه للحسن (ع) والحسين (ع) حيث قال : ثم اخرجا بي واحملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه ثم ائتيا بيَّ الغريين فإنكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورًا فاحتفرا فيها فإنكما تجدان فيها ساجةً"، يقول الحسن والحسين عليها السلام فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها "مما أدخر نوح لعلي بن أبي طالب .

وأعفيا قبره ، ولم يعرف قبره إلاّ الأئمة (ع) ، وبقي مخفياً في العهد الأموي إلى أن أخبر الإمام الصادق (ع) بعض شيعته بمكان القبر الشريف ، الذي ظهر إلى العلن أيام هارون اللا رشيد ، وهكذا كانت حياته (ع) كلّها لله منذ أن فتحها على النور في الكعبة إلى أن أغمضها على الحق في مسجد الكوفة ، ليبقى ذكرى وعبرة حفظ ما أمكنه من الدين ، وبين ما استطاع من الحق ، وسار على خطاه أبناؤه المعصومون الحجج على الخلق في الحفاظ على شهادة [ أن لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ] حيث حجبهم حكّام الضلال عن حقّهم ، كما منعوا علياً (ع) من تطبيق العدالة التي ستتحقق على يد خليفته الإمام الثاني عشر (عج) ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً .

وإلى أن يأذن الله تبارك وتعالى فنحن – كمؤمنين بولايتهم (ع) – مكلّفون بالتمسّك بالقرآن والعترة ، والثبات على النهج المحمدي الأصيل مهما كانت التضحيات . إننا نعيش في عالمٍ يملأه الظلم ، لكنّ ولايتنا لعلي (ع) وللأئمة (ع) تفرض علينا الصبر والثبات والحفاظ على الإسلام المحمدي الأصيل ، وإعداد ما نستطيع من قوّة ، عاملين بوصية الإمام علي (ع) لمحمد بن الحنفية في حرب الجمل حينما قال له : عضّ على ناجذك ، أعر الله جمجمتك ، تد في الأرض قدمك .

هذه الوصية التي عمل بها – ولا يزالون – رجال المقاومة ، فهزموا العدو الصهيوني ، وقضوا على حلمه بإسرائيل الكبرى ، وأسقطوا مشروع [ شرق أوسط جديد ] عام 2006 ، وهاهم يواجهون المشروع الصهيو أمريكي التكفيري ، ورجال الله على ثقة بالنصر ؛ لأنهم حذفوا كلمة هزيمة من قاموسهم ، فأسسوا بنصرهم هزيمة أصابت ضعاف النفوس من ملوكٍ وأمراء وحكّام أصبحوا أداةً في تنفيذ المشروع الصهيو أمريكي .

وأخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .