Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة "بدر،حُنين؛ دروس وعبر" لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2017-07-07 [20:11]::



نزل الوحي على الحبيب المصطفى (ص) في غار حراء في مكة ، وعلى مدى ثلاث سنوات كان (ص) يدعو للإسلام سرّاً ، إلى أن نزل عليه الوحي " وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ " فكانت الدعوة العلنية ، وبقي رسول الله (ص) في مكة يتحمّل أذى قريش ، خاصة بعد وفاة عمّه أبي طالب (ع) وزوجته السيدة خديجة (ع) ، حيث صعّدت قريش من أذاها للنبي (ص) ، فقررت اختيار مجموعة من أقوى شبابها ومن عدّة أفخاذ لتهجم على النبي (ص) وتقتله على فراشه ، فيضيع دمه بين العرب ، لكنّ الله عز وجلّ أخبر نبيّه بمؤامرة قريش ، وأمره بالهجرة إلى المدينة ، وبات علي (ع) في فراش النبي (ص) ، ليوهم قريشاً أنّ النبي (ص) ما زال في فراشه ويتمكّن النبي (ص) بالخروج من مكة دون أن تشكّ قريش بذلك ، وكان ذلك في السنة 13 للبعثة ، وبعد فشل مؤامرة قريش والتحاق علي (ع) بالنبي في المدينة – بعد أن أدّى أمانات النبي (ص) – وقد اصطحب معه الفواطم ، فبدأ رسول الله (ص) بتنظيم وضع المسلمين بعد أن وافاه المهاجرون إلى المدينة ، وأسّس أوّل مجتمع إسلامي له كيانه .

في السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة ، وأثناء عودة أبي سفيان بتجارة قريش – في رحلة الصيف – ، قرّر رسول الله (ص) الخروج لمصادرة تجارة قريش ، وفيها الكثير من أموال المسلمين التي صادرتها قريش بعد هجرة أصحابها ، فندب الرسول (ص) أصحابه للخروج قائلاً لهم : هذه عير قريش فيها أموالهم ؛ فاخرجوا إليها ، لعلّ الله ينفلكموها . ولم يعزم على أحدٍ الخروج لأنّه لم يكن خروجه لقتال قريش ، ولذلك تخلّف البعض في المدينة ، ولم ينكر عليهم النبي (ص) ذلك ، فخرج رسول الله (ص) ومن معه من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة ، رافقه فيها من الصحابة ما لا يزيد على ثلاثماية وأربعين رجلاً ، منهم ستّون رجلاً من الأوس ، وماية وسبعون رجلاً من الخزرج ، والباقي من المهاجرين ، ولم تكن هذه المجموعة لتمثّل القدرة العسكريّة القصوى للدولة الإسلامية ، لأنّهم لم يخرجوا للحرب ، وإنما خرجوا لاعتراض قافلة واحتوائها ، فلم يكن معهم إلاّ فرسان ؛ واحدة للزبير بن العوّام ، والثانية للمقداد بن الأسود الكندي ، وكان معهم سبعون بعيراً ، قال ابن مسعود : كنّا يوم بدرٍ كل ثلاثة على بعير ، وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله (ص) ، فقالا : نحن نمشي عنك . فقال (ص) : ما أنتما بأقوى منّي ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما . وكما في السيرة لم يكن النبي (ص) قد أخبر المسلمين بالخروج إلى جهة بدر ، حيث قال لهم (ص) : إنّ لنا طلِبة ، فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا . وبعد خروجه من المدينة استعرض رسول الله (ص) الذين خرجوا معه ، فردّ من كان ضعيفاً أو صغيراً ، ولحقه أحد المشركين راغباً في القتال مع قومه ، فردّه رسول الله (ص) قائلاً له : ارجع ؛ فلن أستعين بمشرك . وكرّر الرجل المحاولة والرسول (ص) يرفض ، حتى أسلم الرجل والتحق بالمسلمين . بلغ أبا سفيان خروج رسول الله (ص) من المدينة لمصادرة تجارته وقطع الطريق عليه ، فأرسل إلى قريش من يستنهضهم ويدعوهم للدفاع عن أموالهم ، أعدّت قريش عدّتها وخرجت في جيشٍ قوامه نحو ألف وثلاثمائة مقاتل ، معهم مائة فرس وستماية درع ، ورحالٌ كثيرةٌ لا يُعرف عددها بالضبط ، وكان عمر بن هشام المخزومي القرشي [أبو جهل] قائده العام ، وكان القائمون على تموين الجيش تسعة رجال من أشراف قريش ، فكانوا ينحرون يومياً مابين التسع والعشر من الإبل ، لكنّ أبا سفيان تمكّن من النجاة بنفسه وبتجارته وهو بالجحفة ، فأرسل إلى قريش يخبرهم بنجاته ، ويطلب منهم العودة إلى مكة ، لكنّ أبا جهل قال : لا نرجع حتى ترد بدراً ونقيم ، فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف لنا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً .

بلغ رسول الله (ص) نجاة أبي سفيان بالقافلة ، وعلم بإصرار زعماء مكة على قتاله وقتال المسلمين ، استشار رسول الله (ص) أصحابه – لأنه لم يخرج بهم لخوض معركة – فقام المقداد بن الأسود فقال : إِنَّا لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ } وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ . عن عبد الله بن مسعود أنه قال : شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به ، أتى النبي (ص) وهو يدعو على المشركين فقال : لا نقول كما قال قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره .

وكان المقداد من المهاجرين ، وتكلّم مثله بعض المهاجرين ، فأحب النبي (ص) أن يعرف رأي الأنصار الذين كانوا الأغلبية في الجيش ، وكان النبي (ص) في بيعة العقبة الثانية أن أخذ عليهم أن يحفظوه في المدينة ، ولم يكن ظاهر البيعة ملزماً لهم بحماية الرسول (ص) خارج المدينة ، فقال لهم أشيروا عليّ . فقام سعد بن معاذ – وكان حاملا لواء الأنصار – وخاطب النبي (ص) قائلاً : قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا علي السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا علي بركة الله . وقال سعد بن عبادة مثل قوله .

نزل المسلمون عند بئر بدر ، وباتوا ليلتهم ، وبلطف من الله أنزل النعاس عليهم إلى صبيحتها ، جاء في سورة الأنفال " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ " فناموا مطمئنين ، عن علي (ع) : ما كان فينا فارس يوم بدر إلاّ المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله (ص) تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح .

أصبح النبي (ص) ، وصفّ جيشه للحرب ، استقبل المغرب وجعل الشمس خلف ظهره ليستقبل أعداؤه الشمس فتؤثّر على رؤيتهم ، وبدأ (ص) بإصدار التوجيهات لجنده ، فأمرهم برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم ، فقال (ص) : إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم ، واستبقوا نبلكم.

استطلعت قريش جيش المسلمين ، فقال لهم عمير بن وهب الجهمي الذي أرسلوه ليرى حال المسلمين : فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم، حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم يا معشر قريش؟ . لكنّ أبا جهلٍ أصر على المضي لقتال المسلمين .

بدأت المعركة بخروج الأسود بن عبد الأسود المخزومي – من جيش قريش ، وكان رجلا شرساً سيء الخلق - فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض .

ردّاً على ذلك خرج من جيش قريش ثلاثة رجال ؛ عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة والوليد بن عتبة ، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار ، لكنّ النبي (ص) ندب لملاقاتهم عبيدة بن الحارث وعمّه الحمزة والإمام علي (ع) ، فبارز الحمزة شيبة فقتله ، وبارز علي (ع) الوليد وقتله ، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل منهما الآخر ضربة موجعة ، فكرّ الحمزة وعلي على عتبة فقتلاه ، وتوفي عبيدة بن الحارث متأثراً بجراحه ، فقال عنه النبي (ص) : أشهد أنك شهيد . ولمّا سقط الثلاثة من قريش هجم جيش قريش على المسلمين ، لكنّ جيش المسلمين صمد وثبت ، وأخذوا يرمونهم بالنبل – كما أمرهم رسول الله (ص) – وكان شعار المسلمين [ أحد أحد ] . وأمر النبي (ص) جيشه بالهجوم واعداً من يُقتل صابراً محتسباً بالجنة ، وزاد اندفاع المسلمين حينما سمعوا قول الرسول (ص) " سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ " فهزمت قريش هزيمة نكراء ، وكتب الله النصر للمسلمين – رغم قلة العدد وتواضع العدة - ، قتل من قريش سبعون رجلاً وأسر المسلمون مثلهم ، واستشهد ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار .

كانت بدر خسارة فادحة لقريش ، قتل فيها العديد من زعمائها وخيرة أبطالها ، فكانت معركة بدر خسارة حربية ومعنوية لقريش ، إذ صارت المدينة تهدّد سيادتها ونفوذها في الحجاز كلّه – وليس تجارتها فقط -.

وصارت الدولة الإسلامية مرهوبة في المدينة والجوار ، وانتعش حال المسلمين اقتصادياً بما غنموه من غنائم ، بعد فقرٍ عاشوه تسعة عشر شهراً مضت على قيام الدولة الإسلامية التي صارت مرهوبة ومهابة ، تنتقل من نصرٍ إلى نصرٍ ، إلى أن صدق وعد الله لرسول محمد (ص) ففتح عليه مكة ، ودانت له الجزيرة العربية كلّها ما عدا ثقيف وهوازن اللاتَي كانتا من أكبر القبائل العربية ، فشكّلوا جيشاً تعداده ثلاثون ألف رجل على رأسهم شاب في الثلاثين من عمره اسمه مالك بن عوف النصري من قبيلة هوازن ، وجمع معه ثقيف ومضر وبعض القبائل الصغيرة ، وقرّروا محاربة رسول الله (ص) ، وأخذوا طريقهم إلى مكّة ، لمّا علم النبي (ص) بذلك خرج من مكة لملاقاتهم ، ومعه جيش كبير تعداده اثنا عشر ألف مقاتل ، عشرة آلاف ممن فتحوا مكة ، وألفان من مسلمي ما بعد الفتح . أمر مالك بن عوف – قائد جيش الكافرين - أن يصحبوا معهم النساء والأطفال وما يملكون من أموال وبهائم حتى لا يفر المقاتلون من أرض المعركة ، وبإشارة من أحد كبارهم ؛ كمن مالك بن عوف ومن معه على ضفتي وادي حنين ، وخلف الأشجار ، حتى إذا ما دخل المسلمون الوادي هجموا عليهم بالنبل والحجارة والسهام ، وسبّب ذلك فرار المسلمين ، ولم يثبت مع النبي (ص) إلا عشرة رجال – تسعة منهم من بني هاشم ، ومعهم أيمن بن أم أيمن الذي فاز بالشهادة – والتسعة هم : الإمام علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب ، وأيمن ابن أم أيمن حاضنة رسول الله (ص) .

وقال في ذلك العباس بن عبد المطلب :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ** وقد فرّ مَن قد فرّ منهم واقشعوا
وقولي إذا ما الفضل شدّ بسيفه ** على القوم أُخرى يا بُني ليرجعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بسيفه ** بما مسّه في الله لا يتوجّع

سُمّيت الغزوة بغزوة حُنين ، باسم الوادي الذي حصلت فيه ، كان النبي (ص) قد استعد لها ؛ أخذ من صفوان بن أمية درع – وكان صفوان لا زال على شركه وكان تاجر سلاح ، أخذها منه النبي (ص) وقال له : عارية مضمونة . دخل المسلمون الوادي وقد أخذهم العجب والغرور بقوّتهم وكثرة عددهم ، وقال بعضهم : ما نؤتى من قلّة . وخرج المشركون من مكامنهم دفعة واحدة ، وأحاطوا بالمسلمين على حين غفلة منهم ، فانهزم المسلمون عن رسول الله (ص) ولم يثبت منهم إلا! أولئك العشرة ، وأبدى بعض من كان قد أسلم مكرهاً ما في نفسه من حقد وضغينة على المسلمين ، فقال أبو سفيان بلسان الشامت : لا تنتهي والله هزيمتهم دون البحر . وقال آخر : اليوم بطل السحر . وقال شيبة بن عثمان : اليوم أفتل محمداً. وقصد النبي ليقتله فأخذ النبي (ص) الحربة منه وأشعرها فؤاده . وقال لعمّه العباس : صح ؛ يا للأنصار ، يا أهل بيعة الرضوان ، وصح ؛ يا أصحاب سورة البقرة ، يا أصحاب السمرة . وكان النبي (ص) ينادي : أيها الناس إليّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله ، يا أنصار الله وأنصار رسوله ، انا عبد الله ورسوله . استطاع رسول الله (ص) أن يبث روح الجهاد في نفوس المسلمين من جديد ، بعد أن كان قد أصابهم الخوف والذعر وأوشكوا على الفرار الكامل ، فاجتمعوا وهجموا هجمة واحدة ، وقصد الإمام علي (ع) صاحب راية هوازن فقتله ، وكانت بذلك هزيمة المشركين الذين فرّ منهم من تمكّن من الفرار ، وأسِر من أسر ، وتركوا نساءهم وذراريهم وأموالهم للأسر ، فوقعت كلّها بين أيدي المسلمين ، ومن الغنائم أعطى رسول الله (ص) أبا سفيان الكثير ، ولغيره من أهل مكة ، فكانت هزيمة نكراء لثقيف وهوازن ومن معهم ، ولاحق رسول الله ومن معه من هرب منهم إلى الطائف وحاصرها .

إنّ في غزوة حُنين عبرة ودروس ، حيث اغتر المسلمون بكثرتهم وتوالي انتصاراتهم ، اغتروا بكثرة عددهم واستعداداتهم ، وايقنوا بالنصر وعدم الغلبة ، ونسوا كيف نصرهم الله ببدرٍ وهم أذلّة ، وبعضهم شبه عراة ، ولا يملكون من السلاح إلاّ القليل ، لكن حينها في بدر كانت ثقتهم بالله كبيرة وطاعتهم لرسول الله (ص) ثابتة ، ورغبتهم بالجنة كان الدافع لهم ، انتصروا ببدر وهزموا بأحد ، ولولا ثبات من ثبت مع النبي (ص) لكانت هزيمة تقضي على الإسلام والمسلمين ، لكن الله لا يترك دينه ولا نبيّه الذي ثبت ومعه من بني هاشم وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب ومن خلصت نفسه لله .

كتب الله لهم النصر ، وقد تحدّث القرآن عن هذه المعركة ، قال تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ كان ذلك في العاشر من شوال سنة ثمانية للهجرة بعد فتح مكة .

نستخلص من معركة حُنين ؛ أنّ سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة كان غرور المسلمين بأنفسهم ، وإعجابهم بقوتهم وكثرتهم ، إذ أنهم لأول مرّة يواجهون عدوّهم بهذا العدد الكبير ، فأعلمهم الله سبحانه أنّ الكثرة لا تُغني شيئاً ، إذا فُقد عنصر الإيمان والصبر والتوكّل على الله ، وأنّ العبرة ليست بالكميّة ؛ وإنّما بالنوعية ، بدليل أنّ الذين عادوا إلى ساحة القتال - التي ثبت فيها النبي وعلي وبعض بني هاشم - هم القلة من المؤمنين الذين أنزل الله السكينة والطمأنينة عليهم ، وأبعدوا عن أنفسهم كل أنواع الشك والخوف والقلق ، فثبتوا واستقاموا وطهرت قلوبهم ، فأمدهم الله بجنود من اللائكة لم يروها .

من حُنين نتعلّم أن لا نغتر بكثرة العدد والعتاد ، لأنّ هذا وحده لا يغني شيئاً ولا يحقّق نصراً ، إذ أنّ المهم في ساحة الجهاد وجود المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم حبّاً لله ، وأصحاب إرادة صلبة وعزيمة راسخة ، وتدوا في الأرض أقدامهم وأعاروا الله جماجمهم ، هؤلاء لا ينهزمون ، بل ينتقلون من نصرٍ إلى نصر ، وقد حدّدوا هدفهم بخيارين – لاثالث لهما - ؛ نصر أو شهادة ، وهذا ما عليه رجال المقاومة الذين صمدوا في وجه العدو الصهيوني وهزموه وأجبروه على الإنسحاب ، وثبتوا في عدوان تموز 2006 ، الذي تطلّ علينا ذكراه بعد أيام ، ثبتوا كثبات النبي (ص) وعلي (ع) ومن معهما من المؤمنين في حُنين ، ولم تتمكن إسرائيل – ومن معها – لأكثر من شهر ، وقد استعملت أفتك الأسلحة ، حتى نفذت ذخيرتها من مخازنها ، ولم ينفعها الأسطول الجوي الأمريكي ، بل تراجعت وانهزمت وسقط المشروع الصهيو أمريكي لشرق أوسطٍ جديد ، لأنّ الله سبحانه جعل السكينة في قلوب المجاهدين المؤمنين ، وهاهم اليوم ثابتون حتى القضاء على المشروع التكفيري الصهيو أمريكي ، لقد حرّروا أرض الوطن ودفعوا عنه خطر التكفيريين بفضل ثباتهم وسهر القوى الأمنية والتفاف الشعب حولهم ، هذا الشعب الذي يستحق على المسؤولين تأمين أدنى الحقوق الضرورية – من ماء وكهرباء وطبابة وتعليم - ، هذا الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلاّ إذا صلحت الإدارة ، وحوسب كل مسؤول كان سبباً للهدر والسرقة ، ولا بد لرفع اليد عن المال العام ، لأنّ الحرمان الذي أصاب الوطن والمواطنين لم يكن عن قلّة في المال ، بل لأن من تحت يدهم المال العام يتقاسمونه ويخضمونه خضم الإبل نبتة الربيع ، ولو أمكن الرجوع إلى سجلاتهم المالية ؛ لرأينا أنّ المشاريع التي نُفّذت رُصد لها أضعاف أضعاف تكاليفها ، ذهب المال للسارقين فبنوا به القصور ، وكثرت أرصدتهم وعقاراتهم في لبنان والخارج ، لو عملت الدولة بإدارة صادقة ورجال مخلصين على تطبيق قانون [ من أين لك هذا ؟ ] لأعادت الكثير من الأموال لمصلحة الشعب اللبناني الذي لم يبخل بشيء ليبقى لبنان وتكون له دولة .

على المسؤولين أن يخرجوا من حساباتهم الشخصية وأجنداتهم الخارجية – خاصة في المواضيع الإنسانية والاجتماعية – خاصة موضوع النازحين السوريين الذين يعانون شتى أنواع الحرمان في مخيّماتهم المفتقرة لكل شيء ، بالعمل على عودتهم لبلادهم ، خاصة أنه في سوريا تزداد المساحات الآمنة .

وأخيراً ؛ نأسف لحاجة الناس إلى المياه مع كثرة المياه الجارية ، ولبنان يسبح على بحرٍ من المياه ، لو أحسن المسؤولون الإدارة لأمّنوا المياه بأقل التكاليف ، لكن [ لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده ] ، إذ كيف يشعر بالعطش والحاجة للماء من يروي – مثلاً – زرع البطيخ بعصير المانغا والفريز ؟ ليعطي للبطيخ طعم المانغا والفريز .

وأخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .