Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : الدور التربوي لفريضة الحج

:: 2017-09-01 [23:31]::

أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل يوم الجمعة صلاة الجمـاعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في مدينة صــور بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فطر السموات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد بن عبد الله وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين وجميع عباد الله الصالحين. وبعد:

قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)) الحج، تتحدث هذه الآية الكريمة عن فريضة الحج وما يتلوها من آيات من سورة الحج، وتبين هذه الآيات الشريفة ما لفريضة الحاج من أبعاد وفوائد تربوية، وسنتحدث عن ذلك فيما يأتي :

1 - الدور الإصلاحي لعبادة الله في حياة البشر

بداية نقول بأن كل الفرائض العبادية التي شرعها الله في دينه الإسلام لها تأثير إيجابي في حياة الإنسان الفردية والإجتماعية، كالصلاة والصوم والحج، والمقصود بالتأثير الإيجابي هو سيرها بالإنسان نحو خط الإستقامة والنجاح في هذه الحياة، الذي هو خط الكمال البشري، لأن هذه الفرائض العبادية تربطنا بالله، والإرتباط بالله ارتباط بالكمال المطلق الذي ينعكس كمالا وصلاحا على حياة الإنسان بحسبه، وإذا سأل سائل بأن هناك ارتباط بدين الله ولكن لا نجد أن هناك صلاحا ولا كمالا ، فكيف يصح ذلك؟

الإجابة : هو أن هذا الارتباط كان شكليا بدين الله ولم يكن ارتباطا حقيقيا، والإرتباط الشكلي هو ارتباط سطحي بالدِّين نتيجة عصبية وتقليد للآخرين، ولا يكون هذا الإرتباط بالإسلام نتيجة العلم والتفقه بالدين، وأيضا من الإرتباط الشكلي بالدين الارتباط الجزئي به من خلال الإلتزام ببعض الواجبات وترك الواجبات الأخرى، وهذا ما نهى الله عنه بني إسرائيل، لذا قال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ) البقرة 85. لذا من هنا كان تأثير الإسلام والفرائض بالمسلمين تأثيرا ضعيفا، لأن إرتباطهم بالإسلام لم يكن كاملا.

ومن الفرائض العبادية التي شرعها الله تعالى في دينه الإسلام فريضة الحج، و هذه الفريضة الشريفة لها دور تربوي كبير في بناء الإنسان والمجتمع بناء سليما ومستقيما، والله تعالى تحدث في القرآن عن عظمة هذه الفريضة وأهميتها، وأنزل سورة في القرآن باسم هذه الفريضة، وهي سورة الحج الشريفة، وتحدث تعالى في هذه السورة عن خصائص فريضة الحج، وأشار إلى ما لها من أبعاد ومنافع تربوية وعقائدية واجتماعية واقتصادية، وسنتحدث عن بعض هذه الآيات الشريفة لهذه السورة ، لمعرفة خصائص ومنافع الحج .

2- الخصائص المكانية للمسجد الحرام

أمر الله تعالى الناس بالحج إلى بيته الحرام الذي هو الكعبة الشريفة الموجودة في مكة المكرمة، وحدد تعالى مناسك وأفعال معينة تؤدى أثناء الزيارة له من الإحرام والطواف والسعي والصلاة وغير ذلك، وجعل الله تعالى خصائص لهذا المكان المبارك الذي هو المسجد الحرام، وأشار تعالى إليها في الآية التالية من آيات سورة الحج فقال عز وجل :

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25))الحج.

أشار الله تعالى في هذه الآية الشريفة إلى ثلاث خصائص هامة، تشكل أبعادا تربوية كبرى لفريضة الحج ، وتستحق هذه الأبعاد الوقوف عندها مطولا، وهي :

البعد الأول : وهو أن الله تعالى هدد وتوعد الكفار الذين يسعون إلى منع الناس من أداء فريضة الحج، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، وأشار الله تعالى ثانيا في هذا الشطر من الآية المتقدمة إلى أن الكفر يدفع أهله إلى صد المؤمنين عن عبادة الله وتوحيده، وهذه الإشارة تعتبر بمثابة توجيه للمسلمين إلى الإنتباه بأن هذه الفريضة هي أو غيرها ستواجه تحديات ومؤامرات من قبل الكفار والمشركين لتعطيلها، وإذا فكرنا ببساطة لماذا يقدم الكفار على هذا الفعل العدائي، لوجدنا أن فريضة الحج تشكل مؤتمرا كبيرا وعالميا للمسلمين، يدفعهم للوحدة والتعاون على التمسك بدين الله الإسلام الذي يرفض الظلم والفساد في الأرض، ويدفعهم إلى نشر هذا الدين الذي يعمل على تحرير الشعوب من العبودية والظلم، وهذا ما يخشى منه الأعداء، لذا قال بعض السياسيين الغربيين: ( الويل للمسلمين إن لم يعرفوا معنى الحج، والويل لأعدائهم إذا أدرك المسلمون معنى الحج) تفسير الأمثل ج 10 ص 206.

فالحج فريضة تزرع في المسلمين روح الأخوة والتعاون وحب الوحدة والتماسك، من خلال أدائهم لهذه الفريضة مع بعضهم البعض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، كما أن هذه العبادة التي تؤدى بشكل مشترك تزيل كل الحواجز التي تبعد الإنسان عن أخيه الإنسان، من الإختلاف في اللغة واللون إلى الإختلاف في الغنى والفقر، إلى غير ذلك من الحواجز التي يصنعها المستكبرون في الأرض، لذا من هنا كان الحج بتشريعاته قوة للإسلام والمسلمين، وهذا ما قصده الإمام علي عليه السلام بقوله : ( الحج تقوية للدين) نهج البلاغة الكلمات القصار رقم 252، لأن الدين يقوى بوحدة أبنائه، لذا كان من أهداف الحج تعزيز المحبة والوحدة بين أبنائه، وخاصة في جعلهم يشعرون أنهم أمام رب واحد وإله واحد، لم يفرق بينهم، فالجميع سواسية لديه، وإنما مقياس الأفضلية لديه تعالى يكمن بالعمل الصالح والإخلاص فيه.

البعد الثاني : وهو جعل الناس سواسية في بلد المسجد الحرام وأماكن أداء المناسك، حيث شرع الله أن هذه المنطقة هي لحجاج بيت الله الحرام يستفيدون منها في أداء هذه الفريضة، فلا يجوز منعهم من أداء فريضة الحج، أو التسلط عليهم، لذا قال تعالى : ( وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ )، المقصود بالعاكف في المسجد الحرام هم السكان الذين يعيشون فيه، كما أن المقصود بالبادي هم الذي يأتون من خارج منطقة المسجد الحرام لأداء فريضة الحج، لذا لا بد من الإفساح لحجاج بيت الله الحرام في الإقامة بمكة لأداء فريضة الحج، وعدم التضييق عليهم وورد أن أمير المؤمنين عليه السلام كان قد أمر واليه على مكة ألا يأخذ مالا من حجاج بيت الحرام لقاء الإقامة أو الدخول إلى البيوت المعدة لإقامة الحجاج.

فقد جاء في رسالة بعث بها الإمام علي عليه السلام إلى واليه على مكة يقول له فيها : ( وأمر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا، فإن الله سبحانه يقول : ( سواء العاكف فيه والباد ) فالعاكف المقيم به، والبادي الذي يحج إليه من غير أهله ) نهج البلاغة الرسالة 67، ويفهم من هذه الرسالة أن الإقامة في مكة هي مجانية ودون مقابل من المال، وهذا يدل على تسهيل الحج على الناس وجعل الفقراء يحجون إليه ولا يكون الحج مقتصرا على الأغنياء، وذلك لما للحج من أهمية وخاصة على صعيد علاقة المسلمين ببعضهم البعض، حيث يكون هناك التعارف والأخوة بين كل المسلمين على اختلاف بلدانهم ولغاتهم، حتى يشعر الجميع أنه جسد واحد لا تمييز بينهم.

البعد الثالث : وهو بعد هام، وهو جعل الله المعصية والظلم في المسجد الحرام مضاعف العذاب والعقاب لديه عن حصوله في أي مكان آخر من العالم ، وهذا يدل على ما لهذه البقعة من الأرض من حرمة كبيرة عند الله، قال تعالى مشيرا إلى ذلك : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وهذا التهديد الإلهي يدفع الحجاج إلى التفكير في عدم الوقوع في المعاصي ولا في ظلم بعضهم البعض، وهذا جانب تربوي يدعوا الناس إلى إلى تهذيب أنفسهم، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام ما يشير إلى هذا المعنى أيضا حيث قال : ( من عبد فيه ( المسجد الحرام ) غير الله عزوجل، أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم، وعلى الله تبارك وتعالى أن يذيقه من عذاب أليم) تفسير نور الثقلين ج 3 ص 483 ، فالمقصود بالإلحاد هو الإنحراف عن الحق، والإنحراف عن الحق هو ظلم سواء كان هذا الإنحراف بالعبادة لغير الله، أو بالتولي لغير أولياء الله، من الظالمين والمفسدين.

ونستوحي من وراء ذلك أن فريضة الحج تشكل مدرسة تربوية في دعوة الناس إلى الإصلاح العقائدي والإجتماعي برفض الظلم من أي جهة صدر، ودفع الناس إلى الوقوف في وجه الحكام المنحرفين ورفض سياستهم، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام كراهية السكن في مكة المسجد الحرام لأن إرتكاب الذنوب فيها يضاعف من عذاب مرتكبها، قال الإمام : ( كل ظلم يظلم الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شيء من الظلم فإني إراه إلحاد ولذلك كان ينهى أن يسكن الحرم ) تفسير نور الثقلين ج 3 ص 482 ، وهنا في هذا الحديث توجد إشارة هامة، وهي أن الإمام اعتبر أن ظلم الإنسان لغيره هو ظلم لنفسه ، فقال : ( كل ظلم يظلم الرجل نفسه ) ، وهذا أمر طبيعي لأن الظالم يتسبب بإدخال نفسه العذاب الأليم في الآخرة.

3 - إعداد الأنبياء أولا قبل إرسالهم

وننتقل إلى الآية التي تتلوا الآية المتقدمة، وهي تتابع الآية السابقة في الحديث عن خصائص الحج التربوية، قال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) )، نستوحي من هذه الآية أن الله تعالى يعد أنبياءه أولا لحمل الرسالة، قبل أن يبعثهم للناس ويجعلهم قدوة لهم، وهذه الآية تشير إلى هذه الحقيقة، فإن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بعدم الشرك وأن يطهر بيته من الشرك، وذلك قبل أن يأمره تعالى بتبليغ رسالته إلى الناس ليكون قدوة لهم في عدم الشرك، قال تعالى : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) .

وأطلق الله تعالى كلمة الشرك في الآية دون تقييد، حتى يشمل كل أصناف الشرك سواء كان في الألوهية أو في الربوبية أو الخالقية أو في غير ذلك من الصفات، وسواء كان الشرك في العقيدة أو كان في الطاعة، ثم بعد ما أن أمر إبراهيم بعدم الشرك، أمره ثانيا بتطهير البيت الحرام من الشرك، والمقصود بذلك، هو عدم إدخال الشرك إلى مناسك الحج، حتى لا يشرك أحد مع الله في فريضة الحج، وأن يلتزم بها الناس كما شرعه الله تعالى.

وهذا درس للمسلمين أن يحافظوا على صفاء تعاليم الاسلام وتوحيدها، والله تعالى لم يأمر إبراهيم عليه السلام بتطهير فريضة الحج من الشرك، إلا لعلمه تعالى أنه سيأتي بعده من يعمل على تحريف تعاليم هذه الفريضة، ويدخل فيها ما ليس منها من عناوين شركية، وفعلا هذا ما حصل بعد إبراهيم عليه السلام، حيث تحول الحج من عبادة لتوحيد الله إلى عبادة شركية، حتى أرسل الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأوحى إليه نشر فريضة الحج القائمة على التوحيد، وأمره تعالى بتطهير فريضة الحج لمن يسكن مكة قبل غيرهم، لأن هؤلاء سيكونون مؤتمنين عل هذه الفريضة قبل غيرهم، وبعد ذلك تعليم الناس الأخرين الحج الخالص لوجه الله تعالى، وبشكل عام لا بد من الحفاظ على التوحيد من قبل المسلمين قبل دعوة الناس إليه.

4 - إبراهيم عليه السلام وتبليغ فريضة الحج

وتكمل الآيات المتقدمة حديثها عن نبي الله إبراهيم في أمره بدعوة الناس إلى إحياء فريضة الحج، قال تعالى : ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27))، بعدما انتهى نبي الله إبراهيم عليه السلام من بناء الكعبة وتلقي الوحي بمناسك الحج وأحكامه، أمره تعالى بإخبار الناس بانه تعالى أوجب عليهم الحج إلى البيت الحرام، فقال له تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، الآذان معناه الإعلام والإخبار، ولكن كيف يمكن لإبراهيم أن يوصل صوته للناس بوجوب الحج، مع أنه لم يكن موجودا في مكة غيره وغير ولده اسماعيل ويمكن أن يكون هناك قلة من الناس، فقد ورد في الروايات أن إبراهيم عليه السلام كان قد سأل ربه كيف سيسمع الناس صوته وهم بعيدون عنه، فأخبره تعالى أن هذا الأمر عليه وأن على إبراهيم أن يطلق النداء إلى الناس .

وجاء في الروايات أنه ( لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج - فقال : يا رب وما يبلغ صوتي - فقال الله أذن عليك الأذان وعلي البلاغ ) تفسير القمي ج 2 ص 83 ، ومن هنا كان المقصود بتلبية الزوار ( لبيك اللهم لبيك ) الرد والإجابة على آذان إبراهيم الخليل عليه السلام، ولعل المقصود بقول الرواية أن الله عليه البلاغ، أنه تعالى سيوصل هذا البلاغ من خلال أنبيائه ورسله الذي يأتون بعد نبي الله إبراهيم ويدعون الناس إلى حج بيت الله الحرام ، قال تعالى : ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )، ومعنى يأتوك رجالا أي يحجون راجلين ومشاة دون أن يستعينوا بوسائل النقل، ويستحب أن يقصد الناس الحج مشيا للمستطيع منهم ، والثواب فيه مضاعف.

والمقصود بالضامر هو البعير الهذيل والضعيف، وهو كناية عن طول المسافة التي قطعها البعير مما تسبب بإنهاكه وتعبه، أما المقصود بالفج هو المسافة بين الجبلين ثم استعمل في الطرق العريضة والواسعة، والمقصود بالعمق هنا البعيد والطريق الطويلة.

5 - الحج والحصول على المنافع

بعدما تحدث الله تعالى في الآية السابقة عن أمره لإبراهيم بتبليغ الناس وجوب الحج إلى بيت الله الحرام، أخبر تعالى عن وجود منافع للحج قال تعالى : ( لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28))، اللام هنا في قوله تعالى : ( لِّيَشْهَدُوا ) هي للتعليل، أي الهدف من تشريع فريضة الحج، هو حصول الحجاج على منافع الحج، فالشهادة هنا كناية عن الحصول على منافع الحج ورؤيتها والشعور بها، وفي ذلك إشارة إلى أن الحج الحقيقي هو الذي يتم فيه شهود المنافع، وهي الخيرات المرجوة من وراء تشريعه وهي كثيرة وعديدة منها ما هي دنيوية ومنها ما هي أخروية.

ومن المنافع الدنيوية للحج أنه يشكل مؤتمرا إسلاميا كبيرا يدعو فيه المسلمين إلى التعارف فيما بينهم وإلى التواصل والإتحاد والتعاون على معالجة مشاكلهم، مما يجعل المسلمين يشعرون بأنهم جسدا واحدا، وأيضا من المنافع المعنوية أن الحج إلى بيت الله الحرام يذكر الناس بأنبياء الله وتضحياتهم في سبيل الله، ويذكرهم بنبي الله إبراهيم ونبي الله محمد صلوات الله عليهم، ويذكرهم أيضا بالأوصياء من آلِ محمد عليهم السلام كيف حجوا وكيف كانوا يبتهلون إلى الله عند كل منسك من مناسك الحج، وهذا الإستذكار يشكل عاملا وحافزا على الإقتداء بهم عليهم السلام.

وأيضا من المنافع التي يشهدها الناس في الحج أنهم يشعرون بالمساواة بين يدي الله، وأنه لا فرق بين إنسان وآخر حتى لو اختلفا في اللون واللغة إلا بالعمل الصالح والتقوى، وهذا الشعور يدفعهم للتواضع وعدم التكبر، وأيضا من منافع الحج أنه عندما يحرم الناس من الميقات ويلبسون ثوبي الإحرام يشعرون ويستذكرون اليوم الذي يرحلون به من هذه الدنيا بثوب الكفن، وهكذا يستذكر الناس عند وقوفهم على جبل عرفات مشهد يوم القيامة حيث يخرج الناس بأكفانهم من القبور، ويملأون مساحات الأرض الشاسعة، وهذا الإستذكار يجعل النفس تزهد في الدنيا.

إذا المقصود بقوله تعالى :( لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) ، مطلق المنافع الدنياوية والأخروية، وتقدم الحديث عن المنافع الدنيوية، وأما المنافع الأخروية فهي الأجر والثواب وغفران الذنوب ونيل رضا الله، والله تعالى لم يقيد المنافع في الآية، وذلك للإشارة إلى شمولها الذي لا ينحصر بما ذكرناه وتحدثنا عنه، فقد جاء في كتاب الكافي أن الربيع بن خيثم سأل الإمام الصادق عليه السلام عن المقصود بالمنافع، هل هي منافع الدنيا أو منافع الآخرة ؟ فقال الإمام: (الكل) تفسير نور الثقلين ج 3 ص 488 نقلا عن كتاب الكافي.

6 - الحج وتربية الناس على حب التضحية

أيضا من منافع الحج تربية نفوس الناس على حب العطاء والتضحية والدعوة إلى تجسيد روح التكافل في بينهم، لمساعدة الفقراء والمساكين، فقد جعل الله تعالى من مناسك الحج تقديم الأضاحي في الْيَوْم العاشر، وتقديم اللحوم للفقراء والمساكين، كما أمر الله تعالى بأن يذكروا اسمه تعالى أثناء ذبح الأضاحي وهذا بخلاف ما كان يفعله المشركون قبل الإسلام، فكانوا يذكرون أسماء الأصنام والأوثان، وهذا ما حرمه الله تعالى، قال تعالى : ( لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، وورد أن المقصود بالأيام المعلومات الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة اعتمادا على ورد روايات في المقام، لكن ذكر الله تعالى في سورة البقرة الآية 203 الأيام المعدودات ، قال تعالى : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).

وورد روايات تبين أن المقصود بالأيام المعدودات الأيام الثلاث الأخيرة من الحج، وهي الْيَوْم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وبشكل عام هذا تأكيد على الدعوة إلى ذكر الله أثناء اداء المناسك، حيث لا عبادة بلا ذكر الله تعالى، والله تعالى أراد أن يربي نفوس الناس على ذكره وتوحيده، وخاصة شكره تعالى على نعمه تعالى التي لا تعد ولا تحصى، وورد أن المقصود بذكر الله في الأيام المعلومات، هو تكبير الله الذي يبدأ بعد إتمام صلاة الظهر من يوم عيد الأضحى ويستمر هذا الذكر بعد كل صلاة من الصلوات اليومية الخمس وينتهي بعد صلاة الصبح من الْيَوْمَ الثالث عشر، وورد صيغة لهذا الذكر، وهي قول : ( الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والله أكبر على مارزقنا من بهيمة الأَنْعَام ) بحار الأنوار ج 99 ص 306.

وورد في الروايات أن هذه الأذكار غير مختصة بمن كان في منى، بل يستحب لغيرهم ذكرها في بلدانهم ومناطقهم، وبذلك يتفاعل المسلمون جميعا مع فريضة الحج من كان يؤدي مناسك الحج وغير المؤدي لها، ونستطيع أن نقول بأن فريضة الحج هي مدرسة تربوية لبناء الشخصية الإيمانية والرسالية للناس جميعا، التي تنهض لإعمار الأرض بالإيمان بالله وتوحيده والطاعة لله.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وجميع عباد الله الصالحين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.