Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة "الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة" لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2017-09-22 [21:53]::
عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: دخلت على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مرحبا بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرض، قال له أبي: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب على يمين عرش الله: مصباح هاد، وسفينة نجاة، وإمام غير وهن، وعز وفخر، وعلم وذخر، وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام، أو يجري ماء في الأصلاب، أو يكون ليل أو نهار، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، ويسر أمره، وأوضح سبيله، وقواه على عدوه، ولم يهتك ستره. فقال له أبي: وما هذه الدعوات يا رسول الله؟ قال: تقول إذا فرغت من صلواتك وأنت قاعد: اللهم إني أسألك بكلماتك ومعاقد عزك، وسكان سماواتك وأنبيائك ورسلك (أن تستجيب لي، فقد) رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي من عسري يسرا. فإن الله عز وجل يسهل أمرك، ويشرح صدرك، ويلقنك شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك.

كان العرب قبل بعثة النبي (ص) يعيشون جاهلية جهلاء، الحياة فيها للقوي والغني، وأفضل وصف لهم ما جاء في خطبة السيدة الزهراء (ع) في مسجد أبيها رسول الله (ص) في احتجاجها على أبي بكر ومن معه من المسلمين، إذ جاء فيها : وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطئ الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص).

كان رسول الله (ص) النور الذي أبصرت من خلاله الأمة طريق الخير وسبيل السعادة فأخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والعلم، يعطف القوي على الضعيف ويعطي الغني الفقير ويرحم العالم الجاهل، جمعهم على الخير والهدى وأعدهم ليكونوا كالجسد الواحد وآخى بين المهاجرين والأنصار، فصار الواحد منهم لا يرضى أن يشبع وجاره جائع، وصار كل واحد منهم يهتم بأمر أخيه، لأنهم تعلموا من رسول الله (ص) : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ. لكنهم بعد وفاة الرسول (ص) غرتهم الدنيا وتعلقوا بها فأنساهم حب الدنيا الآخرة، وتلهوا بالعمل للدنيا وتركوا العمل للآخرة، فكانوا كما وصفهم أمير المؤمنين (ع) في خطبته المعروفة بالشقشقية إذ قال فيها: كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا.

بعد أن بايع المسلمون عليا (ع)، أراد أن يسير بهم بسيرة رسول الله (ص) وان لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على اسود إلا بالتقوى، فاجتمع عليه من كان قد اسلم كرها ومن اعتاد حلاوة الدنيا حتى استشهد (ع) في مسجد الكوفة وهو يصلي صلاة الفجر، لأنه لم يرض أن يسكت عن ظالم ولم يغظ بصره عن انحراف وكان لسان حاله قبل أن يبايعوه في الخلافة أيام حكم أبي بكر وعمر وعثمان يقول: لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بذلك جور إلا علي خاصة، لأنه كان يخشى على أصل الدين، وأعلن الحرب على من خالفه، لكن بعد أن صار الحكم والأمر إليه ولم يعط أولئك ما طلبوه شنوا حروبا عليه (ع) ولم يمكنوه من الحكم ليستقيم الدين ويعم العدل، وهو القائل: لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل القرآن حتى يزهر إلى الله ولحكمت بين أهل التوراة بالتوراة حتى يزهر إلى الله، ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل حتى يزهر إلى الله، ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور حتى يزهر إلى الله، ولولا آية في كتاب الله لأنبأتكم بما يكون حتى تقوم الساعة.

استشهد الإمام علي (ع) وتفرق الناس عن الإمام الحسن (ع) وخضعوا لمعاوية الذي اشتراهم بالمال، مما اضطر الإمام الحسن (ع) للقبول بالصلح مع معاوية حفاظا على البقية الباقية من المؤمنين بشروط لو تمت لعاد الحكم لأهل البيت (ع) ولاستقام الدين ولكن معاوية نكث ودس السم للإمام الحسن (ع)، وقتل المعارضين من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وحمل الناس على طاعته بالدينار وبالسيف بعد ان اشترى عددا ممن سموا أنفسهم صحابة الرسول (ص) فأوردوا روايات كاذبة عن لسان رسول الله (ص) وجعل ابنه يزيد خليفة على المسلمين، وهو المعروف بالفسق والفجور مما يكشف عن المستوى الذي انحط إليه المسلمون حتى صار يزيد خليفة عليهم يأمر فيطاع، ولولا رفض الإمام الحسين (ع) بيعة يزيد وتقديم نفسه وأهله وأصحابه قرابين لله سبحانه وتعالى لتمكن يزيد من تحقيق حلم أبيه وجده أبو سفيان بالعودة إلى عبادة الأصنام ولم يبق لشهادة التوحيد والنبوة ذكر ولا أثر، لكن شهادة الإمام الحسين (ع) ووقفات الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) والسيدة زينب (ع) والسبايا في مجلس الظالمين أيقظت بعض الضمائر وفضحت المخطط الأموي للقضاء على الإسلام وتعاليمه حتى سقط الحكم الأموي تحت شعارات الثار لآل محمد، وإن استولى العباسيون على الحكم وساروا على نهج بني أمية لكن من استناروا بشعلة كربلاء ثبتوا على الحق وطريقه ورددوا مع سيد الشهداء (هيهات منا الذلة) منعوا ظلم الحكام أن يحجب نور آل محمد الذي استضاء به المهتدون وساروا على صراط الحسين تحت شعار (هيهات منا الذلة) فسلم لهم دينهم وسلمت دنياهم وساروا على الصراط المستقيم ليصلوا سالمين الى جوار الله وهم يبحرون على متن سفينة نجاة الإمام الحسين (ع)، بتلك الشهادة للإمام الحسين (ع) أعيدت الحياة لدين رسول الله (ص) وبقيت شهادة أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله تصدح في سماء الدنيا خمس مرات باليوم تقرع أسماع الحاقدين من معاوية إلى يوم الدين.

وهذا ما نفهمه من قول رسول الله (ص) : حسين مني وأنا من حسين، الحسين من رسول الله لحما ودما ومحمد من الحسين رسالة وحياة مبادئ لأن الرسول لولا شهادة الإمام الحسين (ع) لما كان لرسالته حياة . لقد أقام الإمام الحسين (ع) الدين بشهادته وحفظ الشريعة، فلولا الحسين (ع) لما كان اليوم صلاة ولا صوم ولا حج لأن بني أمية كانوا على وشك القضاء على الدين ولكن الحسين (ع) حفظه بدمه ودماء أهل بيته، فكان دمه هو المصل الذي أنعش الدين وأعاد إليه الحياة.

وجاء في قصيدة للسيد جعفر الحلي :

فما رأى السبط للدين الحنيف شفا --- إلا إذا دمه في كربلاء سفكا
وما سمعنا عليلا لا علاج له ------- إلا بنفس مداويه إذا هلكا
بقتله فاح للإسلام نشر هدى ------- فكلما ذكرته المسلمون ذكا
وصان ستر الهدى من كل خائنة ---- ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا
نفسي الفداء لفاد شرع والده ------- بنفسه وبأهليه وما ملكا
كما قال الشاعر بلسان حال الحسين (ع):

إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني

قدم نفسه وأصحابه وأهل بيته طعاما للسيوف فبقي الدين حيا وبقيت الذكرى تتجدد كل عام أعظم مما سبق في كل بلاد الدنيا فالذي مات هو يزيد الملعون وأعوانه وبقي الحسين (ع) مدرسة تستقبل طلابها مطلع شهر محرم من كل عام وهم في ازدياد، حفظوا الإسلام وأقاموا الإحكام ووقفوا في وجه الظالمين وهم ينتظرون دولة الحق والعدل، لا يكتفون بالدعاء بتعجيل الفرج وهم جلساء بيوتهم ينتظرون النداء بل سيوفهم على عواتقهم يقفون في وجه الظالمين والمارقين ليكونوا في طليعة الممهدين وفي مقدمة جنود دولة العدل الإلهي، لهذا كانت شهادة الحسين (ع) لنحيي الدين بأقوالنا وأفعالنا لا نستكين للظالم ولا نعطي بيدنا إعطاء الذليل ولا نفر فرار العبيد، وكلما ازداد المؤمنون عدة وعددا وثباتا يقوى الأمل باقتراب الفرج لأنه ما يؤخر في خروج صاحب العصر والزمان (عج) كثرة معاصي شيعته – كما هو تعبير بعض الروايات.

فإحياء أمر أهل البيت (ع) بإحياء تعاليمهم وخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا باللطم والعزاء فقط، لقد جاء حث أهل البيت (ع) على إحياء أمرهم وإقامة العزاء على الإمام الحسين (ع) لا من أجل البكاء والدمعة فقط بل للوقوف مع الإمام الحسين (ع) ونشر تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل وليكون الحزن والبكاء وسيلة لتعبئة النفوس لتبقى مستنفرة في خط الدعوة والدفاع عن القيم والدين.

إن من يكتفون بإحياء عاشوراء بمجالس اللطم والعزاء والترويج لعادات وأعمال لم ترد عن أهل البيت (ع) فأنهم يعيقون المسيرة الحسينية، لقد كانت مجالس العزاء في حضرة الأئمة المعصومين (ع) تتحدث عن السيرة وذرف الدمعة واللطم الحزين على الصدر ليتمكن الإنسان من التفكير واستيعاب النهضة الحسينية والإحياء الواعي، إن الإحياء الواعي أقام جمهورية إسلامية في إيران وأسس لمقاومة في لبنان هزمت العدو الصهيوني وقهرت التكفيريين ومنعتهم من النيل من المقدسات وكان شعارهم (لن تسبى زينب مرتين)، إن من يبكي على الحسين (ع) عليه أن يطبق تعاليم الإمام الحسين (ع) عليه أن يكون صادقا في بكائه متفاعلا مع النهضة الحسينية التي تتعرض لحملة اختصار بطقوس وشعارات دون أن تدفعها لمواجهة كل ظلم وجور وانحراف. شهادة الإمام الحسين (ع) أبقت على شهادة التوحيد التي بعث بها الأنبياء فكان الحسين (ع) وارث الأنبياء وصار نورا يستضيء به كل رافض للظلم وتثبيت إيمان كثيرين على مر التاريخ يواجهون الطغاة الذين يعملون على استعباد الناس وإذلالهم، لكن المستنيرين بنور الحسين (ع) يقطعون الطريق على كل ظالم فلا تتحقق أحلامهم وامالهم. في كل زمان حسين ويزيد وحسين عصرنا الإمام الخميني (قدس سره) الذي واجه مخططات يزيد العصر المتمثل بالمشروع الصهيوامريكي الذي يهدف للسيطرة على شعوب المنطقة وخيراتها، لكن الحسينيين واجهوا المشروع الإستكباري ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على رسم خريطة المنطقة، إذ إن من رددوا مع الحسين (ع) (هيهات منا الذلة) مستمرون في مواجهة مشاريعهم وخاصة الاستيطانية لأنهم هم من يصنعون مستقبل المنطقة وسينتصر محور الممانعة والمقاومة في المنطقة ويعود المهجرون لبلادهم ولن تبقى للمشروع الصهيوامريكي إلا الذكريات السيئة لأن أمريكا لا يمكن أن تقدم الخير للمنطقة وهذا ما تعتقده شعوب المنطقة فستخرج أمريكا خالية الكفين من المنطقة وسيقرر مصير المنطقة شعبها وأهلها، وستبقى شعارات ترامب في الهواء وسيعود كل مهجر ولاجئ الى داره وبلده.

وآخر دعوانا أن صلِّ اللهم على المصطفى وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .