Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


هجرة جماعية تهز المخيمات الفلسطينية: المجهول أهون من الكابوس

المدن :: 2017-09-23 [10:51]::


في الغرفة الرقم B105، يرقد محمود عقل على سرير في مستشفى مارتيني في مدينة خورنينغن الهولندية، بعد إضراب عن الطعام استمرّ 27 يوماً، احتجاجاً على قرار اتخذته السلطات الهولندية قضى بترحيله. بدا صوته متعباً ومتقطعاً، في حديثه إلى "المدن"، عن هجرته من مخيم المية ومية، شرق مدينة صيدا، إلى تركيا فاليونان ثم هولندا.

ابن العائلة، التي هُجّرت من قرية صفورية قرب الناصرة، قرر، قبل عام، أن يبحث لبناته عن حياة أفضل، أو أقل سوءاً، خارج لبنان. بالكاد استطاع جمع 8000 دولار أميركي. طرد القلق وأعطى المبلغ للسمسار، الذي لا يعرف كثيراً عنه. ودّع أمّه وزوجته وبناته الثلاث، وذهب إلى المطار. التأشيرة إلى تركيا، وعليه بعدها أن يبحر إلى اليونان، ويواجه الموج الهائج في شهر تشرين الأول.

وصل محمود إلى اليونان، وعاش هناك لأشهر بين التواري عن أنظار الأجهزة الأمنية والاختباء في أماكن معزولة، وتفكير دائم بعائلة يزداد مع الوحدة اشتعالاً، كما يقول المصوّر الصحافي لـ"المدن". ينقطع حديثه فجأة. إنه يرتشف كوباً من اللبن، بعد تعليق إضرابه قبل ساعات قليلة.

من اليونان، كانت رحلته البرية الطويلة إلى هولندا. أشهر أمضاها داخل مخيم للاجئين لم تنل من أمله بالحصول على إقامة "تعلن ولادة جديدة". لكن، الخيبة جاءت هذه المرة على صورة ورقة من إدارة شؤون الهجرة في هولندا: "عليك المغادرة". حدّق في الورقة حتى كادت عيناه تسقطان، وينسى أن يتنفس. الامتناع عن الطعام الذي كان بداية لاإرادياً، كما يقول، أصبح قراراً اتخذه محمود.

27 يوماً، رفض خلالها تناول طعام، أو أدوية أو مقوّيات غذائية. كانت تلك الأيام قاسية بما يكفي ليخسر نحو 30 كلغ من وزنه، ويبدو الجلد غطاءً شفافاً لعظام محمود. المطلب واحد: الحصول على الإقامة. تدخَل المحامي. أقنعه أن السلطات الهولندية لن تستجيب، لأنها لو فعلت لأعلن "أكثر من عشرين ألف طالب لجوء الإضراب عن الطعام في اليوم التالي". مع ذلك، تحققت مطالب أضافها المحامي، يرفض محمود الإفصاح عنها. ويؤكد لـ"المدن" أنه لا يفكّر، قبل وصوله إلى لبنان، إلا بشيئين: عائلته وطريق الهجرة مرة أخرى.

الهجرة من لبنان غدت مطلباً لشباب وعائلات فلسطينية كثيرة. لكن، هذا المطلب، خلال الشهرين الماضيين، أصبح ظاهرة فعلية مع هجرة كثيرين، وإن بدت التقديرات متفاوتة. المؤكد أن الظاهرة انطلقت من مخيم الرشيدية، بهجرة عائلات يراوح عدد أفرادها بين 100 و150 شخصاً، وفق ما يقول لـ"المدن" مدير موقع الرشيدية الإلكتروني نمر حوراني. بيوت كثيرة معروضة للبيع لتأمين كلفة إجراءات السفر. أما المبلغ الذي يطلبه السمسار، فيراوح بين 6000 و8000 دولار للفرد الواحد.

العدوى وصلت بسرعة إلى المخيمات الفلسطينية الأخرى. فالظروف نفسها تقريباً، خصوصاً مع تداول أسماء السماسرة، والحديث عن سهولة الوصول إلى أوروبا نسبياً. فالطريق من مطار رفيق الحريري الدولي إلى إسبانيا بدت سالكة تماماً. ما شجع عائلات على عرض بيوتها للبيع بداعي السفر، وأدت هذه الظاهرة إلى انخفاض أسعار البيوت إلى ما دون النصف عما كانت عليه قبل أشهر قليلة.

تظاهرات كثيرة انطلقت في المخيمات تطالب بالهجرة. اللافت أن هذه التظاهرات لها قدرة تنظيمية، وصفحات في فايسبوك، وهيئة تتحدث باسمها. "المدن" التقت عدداً من الناشطين والقيمين على هذا الحراك، ولعلّ القاسم المشترك بينهم أنهم أرباب أسر وناشطون اجتماعيون.

محمد أبو قاسم، ناشط اجتماعي في مخيم نهر البارد، وأحد منظمي الحراك الداعي إلى الهجرة، يقول لـ"المدن" إنه متمسك بحق العودة. لكن، تحقيق ذلك متعذّر، "كما أن الدولة اللبنانية تحرمنا حقنا بالتملك والعمل، حتى أن أحد الشبان الفلسطينيين نُظّم بحقه محضر، قبل شهرين، لأنه يعمل في موقف سيارات. كما أن تقليصات الأونروا الخدماتية أثّرت على حياتنا ومعيشتنا. أما مرجعيتنا وقياداتنا السياسية فهم غير معنيين بما يحصل لنا. لذلك، لم يبق أمامنا سوى طريق الهجرة من لبنان".

وعمّا يشيعه البعض عن "أجندات مشبوهة" لهذا الحراك، يرد أبو قاسم بأن مطلبهم هو "عيشة كريمة" فحسب. يضيف: "مضت على معركة مخيم نهر البارد 10 سنوات، ولم يتم إعادة إعمار سوى 50% منه، رغم الوعود الكثيرة. وألغت الأونروا خطة الطوارئ، فلا بدل إيجار، وبعض الناس يعيشون داخل براكسات. وليس هناك مقوّمات صمود، ولا أبسط أساسيات الحياة". ويشدد على أن الفلسطينيين الذين هاجروا إلى أوروبا هم الأكثر تمسكاً بهويتهم الفلسطينية، "وبعضهم كان مرابطاً خلال أحداث الأقصى الأخيرة".

ويشير إلى أن الحراك قد لا يؤدي إلى هجرة جماعية للفلسطينيين. "لكن، إذا تمّت هجرة جزئية فإن هؤلاء سيساعدون أهلهم الباقين في لبنان على تخطي الأزمات المعيشية". وينوّه إلى أن "الهيئة الشبابية للهجرة واللجوء الإنساني"، التي شكلها فلسطينيون في لبنان أخيراً، تتواصل مع جمعيات حقوقية في الخارج لحثّ الدول الغربية على قبول أعداد إضافية من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، و"جاري التحضير لتظاهرات أمام سفارات الدول الغربية في لبنان". محمد أبو قاسم، الذي يضع شعار عملة فلسطينية قديمة مكان صورة ملفه الشخصي على تطبيق واتسآب، يصر على أن العودة "إن توفرت" مقدّمة على أي هجرة.

هيثم أبو عرب، من مخيم برج البراجنة، أحد الناشطين الرئيسيين في الدعوة إلى الهجرة، أتُهم، قبل عام، بأنه يدير حساباً يزعم كشف الفساد المالي والاجتماعي، قبل أن يُكشف عن المدير الحقيقي للحساب. كانت دعوات أبو عرب المتكررة لإصلاح إدارة المخيم سبباً في اتهامه. يقول لـ"المدن" إنه لم يعد يحتمل كابوس أن يعيش أبناؤه الستة المآسي نفسها التي عاشها من قبل. ترحيله من إحدى الدول الأوروبية قبل ثلاثة أعوام لم يمنعه من المشاركة في ست تظاهرات جابت المخيم، وهي تدعو إلى الهجرة.

يضيف أنه يعلم أن الثمن الذي سيدفعه في أوروبا ليس سهلاً، لكنه معقول نسبة إلى الحياة التي يعيشها. ويسأل: "مَن يمثّل الفلسطينيين اليوم في لبنان؟ أين موقعنا من المصالحة الفلسطينية؟". ويعدد المخاطر التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بدءاً من القوانين التي تحرمهم حقوقهم الأساسية في التملك والعمل، وليس انتهاءً بالمخاطر الأمنية.

أعلام غربية كثيرة يرفعها فلسطينيون خلال التظاهرات المطالبة بالهجرة. وهذا تحوّل لافت في المزاج الشعبي. لكن، رفع أحدهم علم بريطانيا أثار حفيظتهم، فطلبوا منه إبعاده. فـ"ليس الخيار إما فلسطين أو الهجرة"، كما يقول أبو عرب.