Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


الشيخ حسين إسماعيل في درسه الأسبوعي: سورة الأنفال وعلامات المؤمن

:: 2018-02-13 [22:59]::
الإيمان بالله بمعناه الحقيقي ليس أمرا سهلا وهينا، بل هو رحلة من الجهاد في بناء الشخصية وتهذيب الذات، يستمر بها الإنسان البصير طيلة حياته، وهو قد ينجح في هذه الرحلة، فيما إذا أحسن السعي وأخلص وقد يفشل فيما إذا قصر وتهاون، ولعل البعض يحسب أن كلمة المؤمن هي عبارة فقط عن الإنسان الذي يُؤْمِن بوجود الله فقط، وهذا غير صحيح لأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد بوجود الله، بل هو إرتباط حقيقي بالله، وهذا الإرتباط له علامات عقائدية وسلوكية.

وقد تحدث الله تعالى عن هذه العلامات في كثير من الآيات القرآنية، وعلى الإنسان المؤمن أن يدرس هذه الآيات، وينفتح عليها بقلبه، ويحاول أن يبني شخصيته الإيمانية من خلالها، حيث تكون حياته مجسدة لها، كما يشكل وجود هذه العلامات الإيمانية دلالة على صحة الإيمان بالله،

لذا ينبغي على المؤمن أن يعرض نفسه على هذه العلامات، فإذا وجد هذه العلامات حاصلة لديه شكر الله وسعى للحفاظ عليها، وأما إذا وجد أن هذه العلامات غير متحققة لديه، فعليه أن يسعى إلى تحصيلها، ويسأل الله الله تعالى التوفيق، ونتحدث الآن عن بعض علامات الإيمان من خلال بعض الآيات الواردة في أوائل سورة الأنفال الشريفة.

قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(4)) الأنفال.

وقبل الحديث عن صفات المؤمن التي تحدثت عنها هذه الآيات، نشير إلى أن هذه الآيات ذكرت مفردة المؤمن بصيغة الجمع، والحكمة من وراء ذلك، هو أن المجتمع بشكل عام له تأثير على أفراده، وله رهبة عليهم، وعلى من يريد الإنضمام إليه، سواء كان مجتمعا مؤمنا مستقيما أم مجتمعا بعيدا عن الإيمان والإستقامة، فلذا على الإنسان المؤمن أن يحس اختيار المجتمع الذي يريد الإنضمام إليه، حتى لا يؤثر سلبا على إيمانه وسلوكه.

وبتعبير آخر نقول : بأن الإنسان يتأثر بحركة المجتمع وثقافته، وعليه فلا يجوز للإنسان المؤمن أن ينضم إلى المجتمعات المنحرفة، حتى لا تؤثر ثقافتها وسلوكها سلبا عليه، والآن نتحدث عن الصفات الإيمانية التي تحدثت عنها الآيات المتقدمة، فنقول :

الصفة الأولى : المؤمن يشعر بالخوف من الله

بدأت الآيات المتقدمة بالحديث عن الصفة الأولى من الصفات الإيمانية، وهي أن صفة الشعور بالخوف من الله وخاصة عندما يسمع ذكره تعالى، واستفدنا هذه الصفة من قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) الوجل معناه الخوف، والإنسان المؤمن لا يخاف من الله إلا إذا وصل إلى درجة اليقين بوجوده تعالى ، وأيقن أيضا بأنه الله سيحاسبه على أعماله ويجازيه عليها، من دخول العذاب أو النعيم، لذا العقيدة الإسلامية تدفع المؤمن بها نحو العمل المستقيم، ثم إن من علامات اليقين بوجود الله الشعور بحضور الله في حياة المؤمن، وأنه تعالى مطلع على أعماله ونواياه.

ولا يخفى أن مسألة الشعور بوجود الله هي في غاية الأهمية، لأن الأنسان لا يتفاعل مع إيمانه بوجود الله إلا إذا شعر بوجوده تعالى وحضوره، وأنه مراقبه ومحاسبه، ومن هنا علينا أن نسعى لتنمية هذا الشعور، ثم إننا نسأل أنفسنا في أجواء الحديث عن علامة الخوف من الله على الإيمان الصحيح، فنقول :هل إذا سمعنا ذكر الله نشعر بالخوف منه تعالى أم أننا لا نشعر، فإذا كنا نشعر بالخوف منه تعالى، فهذا يعني أننا نملك إيمانا بالله صحيحا ومستقيما، وإذا كنا لا نشعر بالخوف ، فهذا يعني أن إيماننا ضعيف وفي خطر، وعلينا أن نعالجه بدراسة العقيدة بالشكل الصحيح، وتهذيب النفس بالإبتعاد عن ارتكاب المعاصي، لأن المعاصي تحرم الإنسان من الوصول إلى درجة اليقين بوجود الله والشعور بحضوره.

الصفة الثانية : المؤمن يسعى لزيادة إيمانه

إن من علامات الإيمان أن يسعى المؤمن لتنمية إيمانه حتى يتقدم درجات في هذا الإيمان، بل المؤمن لا يكتفي بالدرجات القليلة، بل يسعى لأن يمتلك درجات كثيرة وعالية، لذا يسعى لطلب العلم والمعرفة بالآيات الكونية والأنفسية التي تجعل الإنسان يشعر بوجود الله وبعظمته، لذا قال تعالى : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ). ويمكن أن يكون المقصود بالآيات هي آيات القرآن التي تزيد الدراس لها والمتأمل فيها من درجة إيمانه تعالى .

ثم إن في الآية أمرا لابد من الوقوف عليه، وهو أن الله تعالى قال : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً )، لا شك أنه ليس كل تالي للقرآن يؤثر في نفوس الناس الذين يستمعون له، فلا بد وأن يكون التالي على درجة كبيرة من الإخلاص، حتى يؤثر في نفوس المستمعين، كما أنه ليس كل مستمع للآيات يزيده الإستماع إيمانا، بل القلوب التي تتأثر بتلاوة الآيات هي القلوب التي تملك قابلية، وتتجه نحو التدبر في معاني هذه الآيات، وهناك من الناس من إذا تليت عليهم آيات الله يزدادون بعدا عن الله تعالى، لذا خص الله تعالى الإستفادة من تلاوة الآيات بالذين يزدادون وجلا وخوفا منه تعالى.

الصفة الثالثة : المؤمن يتوكل على الله

أيضا من الصفات التي يتصف بها المؤمن، وتشكل علامة على صحة إيمانه هو التوكل على الله تعالى ، والإعتقاد بأن التوفيق في العمل إنما يتم بإذن الله ومشيئته، لذا يتوكل المؤمن على ربه ويدعوه عند كل عمل يقدم عليه، قال تعالى : ( وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) والتوكل ليس معناه عدم العمل والإكتفاء بالدعاء من الله، فهذا غير صحيح، بل التوكل معناه أن يسأل الإنسان الله التوفيق في عمله، ثم يقصد العمل مع الإعتقاد أن النجاح في العمل يتوقف على مشيئة الله وحده، وإذا حرم من التوفيق فعليه أن يحسن الظن بالله ويعتقد أنه إما قد قصر في طاعة الله أو أن الله يمتحنه، كما أنه عليه أن يجدد الإستغفار، ويجدد السعي ويحسن التوكل من جديد.

الصفة الرابعة : المؤمن يقيم الصلاة بتمامها

أيضا من صفات المؤمن التي أشارت إليها الآيات المتقدمة، أنه يقيم الصلاة بتمامها وكمالها، ويبتعد عن الصلاة الصورية الفاقدة للمضمون، لذا قال تعالى : ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، والمقصود من إقامة الصلاة الإقامة الكاملة من حيث الشروط والأجزاء، ومن حيث الإلتزام بعهودها ومواثيقها، فالصلاة تشتمل على عهود ومواثيق، يقدمها المؤمن بين يدي الله تعالى، وأول ميثاق يقدمه الإنسان لله ويعاهده عليه هو تكبيرة الإحرام التي يفتتح بها صلاته، فحينما يخاطب الإنسان ربه ويقول الله أكبر، فإنه يعترف ويقر بأن الله أكبر وأعظم وأجل من أي شيء غيره، وأنه لا يقاس تعالى بهذا الغير، وأنه تبارك له الكبرياء عليه، وأنه القادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، وأنه يستحق الطاعة والعبادة لوحده، وتحرم معصيته.

وعلى الإنسان المصلي أن يلتزم بهذا العهد والميثاق الذي عقده مع ربه وخالقه، فلا يشرك به ولا يعصيه ولا يرتكب السيئات، وأي معصية يرتكبها المصلي فعليه أن يعلم بأنه قد نقض الميثاق والعهد بينه وبين الله، وعليه فالمصلي الحقيقي هو الذي يعيش مع صلاته، وينفتح بقلبه وعقله عليها، ويعتبر المصلي أن الصلاة ليست مجرد قيام وركوع، بل هي حركة متصلة بالعقيدة وتنعكس على كل سلوكيات المصلي التزاما بأوامر الله ونواهيه.

الصفة الخامسة : المؤمن ينفق مما رزقه الله

الخامسة من صفات المؤمن هي صفة الإنفاق، قال تعالى : ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) فالمؤمن يشعر بدافع الإيمان بالله، أنه عليه أن يعمل على مساعدة المجتمع، ولا سيما الفقراء والمحرومين ،
ثم إن الإنفاق لا يختص بالمال بل يشمل كل ما فيه فائدة وخير للمجتمع، لذا يشمل الإنفاق العلم والعمل، فيقدم المؤمن للمجتمع كل ما يقدر عليه مما فيه صلاح المجتمع.

وقيدت الآية الإنفاق بأن يكون من رزق الله لأن الإنفاق من غير رزق الله هو محرم ولا يجوز ، ومعنى الإنفاق من غير رزق الله هو أن يسرق المنفق أموال الناس ليتصدق بها على الفقراء؟ فهذا محرم ، وهذا التصدق لا قيمة له عند الله، ويعاقب الله عليه.

تمييز المؤمن الحقيقي من غيره

والله تعالى ذكر علامات المؤمن في القرآن حتى يبين للناس أن الإيمان بالله ليس مجرد كلمة أو معتقدا يحمله الإنسان، بل الإيمان الحق هو عقيدة وعمل، والتزام بالأوامر الإلهية، لذا وصف تعالى المتصفين بعلامات الإيمان بالمؤمنين حقا، قال تعالى :( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)، وفي ذلك تعريض بمن يدعي الإيمان وهو مجرد من علامات الإيمان، وتحدث الله أيضا في الآية الأخيرة عن ثلاث مكافآت يهبها تعالى للمؤمنين حقا، وهي قوله تعالى : ( لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). وهذه المكافأة تنقسم إلى ثلاث أقسام، وهي :

أولا إن الله تعالى يكافئ المؤمنين ويهبهم زيادة الدرجات الإيمانية في الآخرة، أي يزيد من درجات إيمانهم، ولعل الله يرفع من هذه الدرجات بسبب ازدياد يقينهم وشعورهم بوجود الله بعد الموت ويوم القيامة، لما يشاهدونه من عوالم الغيب وانكشاف الحجاب، وهذه الدرجات تكشف عن مدى قرب المؤمن من ربه، والله تعالى يهب المؤمنين في الآخرة النعم والجنان على قدر الدرجات، وأيضا هناك مكافأة ثانية يهبها الله للمؤمنين وهي المغفرة لذنوبهم، فالله تعالى يمحوها من سجل أعمالهم لأنهم اجتهدوا في حمل علامات الإيمان، ثم إن هناك مكافأةثالثة وهي أن الله تعالى يمن على المؤمنين برزق كريم، ووصف الله تعالى هذا الرزق بالكريم لأنه رزق واسع ولا حدود له، ويكشف عن كرم الله وسعة جوده وعطاءه تعالى.

والله تعالى لم يحدد هذا الرزق وتركه مبهما، لأنه فوق ما يتصور الإنسان، ثم إن الله تعالى لم يذكر لنا في القرآن كل شيء عن الجنة والنار، أو حتى عن حياة الإنسان بعد الممات، وما ذكره تبارك عن هذه الحياة هو القليل من الحقائق، وهذا ما يدعو الإنسان لأن يستعد للآخرة، لأنه سيواجه فيها مفاجآت لا ينفع معها الندم ولا الحسرة ، وهنيئا لمن استغل عمره في طاعة الله وأخلص له وتزود من الأعمال الصالحة.

إمام مسجد الإمام شرف الدين قده - صور

الشيخ حسين إسماعيل