Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة " التّراحُم بين المؤمنين "فضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2018-02-16 [13:43]::
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ 

الإسلام دين الرحمة، ومن أسماء رسول الله (ص) [نبي الرحمة] " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " وسور القرآن مُفتتحةٌ بالبسملة، وأنّ الله هو الرحمن الرحيم، وكثيرة الآيات التي أخبرت أنّ رحمته تعالى وسعت كلّ شيء؛ تدليلاً على عظمة صفة الرّحمة التي هي من صفات الله سبحانه، فهو الرحمن الرّحيم بخلقه، حتى أنّ الملائكة قبل أن يسألوا الله سبحانه المغفرة للذين تابوا؛ قدّموا ثناءهم على الله سبحانه بأنّه وسع كلّ شيءٍ رحمةً وعلماً، قال تعالى " الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ " .

ربّنا الرحمن الرحيم، وديننا دين الرّحمة، ونبيّنا نبي الرّحمة للعالمين من الإنس والجن، بل وحتى للطير والحيوان والنبات، فهو الرحمة المُهداة، وقد أمرنا الله سبحانه أن نتأسّى برسوله (ص) ونتحلّى بصفاته، وقد أكّد (ص) على التّراحم بين الناس، فيرحم القويُ الضعيفَ، والغنيُ الفقيرَ، ويرحم العالمُ الجاهل، وقد وصف الله سبحانه نبيّه محمد (ص) بقوله " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ " وفي الحديث أنّه قيل لرسول الله (ص): يا رسول الله ادعُ على المشركين . فقال (ص): لم أبعث لعّاناً؛ وإنما بُعثتُ رحمة . وعنه (ص): المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى . وعنه (ص): لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه . وكان (ص) يقول: الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .

فكان (ص) مثال الرحمة، بينما كانت قريش جادّة في قتله، مُتفنّنة في أذيته؛ كان يقول (ص): اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون . هذا هو محمد [الرحمة المهداة]، هذا هو محمد قائد هذا الدّين، وهذه رحمته التي شملت كلّ الناس، وكانت حياته كلّها – قبل البعثة، وبعد البعثة – صور صادقة للدّين الذي جاء به من عند الله سبحانه، فكان خلقه القرآن، وهو القائل (ص): أدّبني ربّي فأحسن تأديبي . وسمي أديب الله، من أجل ذلك قال تعالى " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " فهو (ص) القدوة إلى الخير والرّحمة، والأسوة بين الناس إلى رضوان الله سبحانه، لذا كان الانتشار السّريع والنجاح لدعوته (ص) التي حطّمت الأصنام وقضت على العصبية والجاهلية، لأنّ أصحاب الرسول (ص) عاشوا أخلاقه واتبعوه في العسر واليسر، فإذا سأل أحدهم: أنت ابن مَنْ؟ قال: أنا ابن الإسلام . كما جاء عن سلمان الفارسي (رض)، فالناس آمنوا به (ص) واتبعوه لما شاهدوا من رأفته ورحمته وصحبته للناس، ولذلك جاء فيه قوله سبحانه " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " . وعن الإمام الصادق (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأةً ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها، وأيُّما رجلٍ من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإنْ تبعكم فأخوكم في الدين، وإنْ أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله .

الإسلام دين الرحمة، والتراحم بين المؤمنين واجبٌ في حياتهم اليومية؛ لتثبيت أواصر الأخوّة الإيمانية [المؤمن أخو المؤمن]، وتعزيز روح المحبّة والتّعاطف بين المؤمنين، وأداء حقوق المؤمنين من أفضل العبادات التي تُقرّب من الله سبحانه، عن الإمام الصادق (ع): ما عُبد الله بشيءٍ أفضل من أداء حق المؤمن . ويقول (ع): المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد؛ إن اشتكى شيء منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما روح واحدة؛ فإنّ روح المؤمن لأشد اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها .

لقد أراد أهل بيت النبوة (ع) أن تتجلّى الأخوة بصدقٍ وإخلاص، خاصّةً وقت الضيق والشدّة وعند وقوع البلاء والمصيبة، لتأكيد أنّنا جسد واحد، عن أبي اسماعيل قال: قلت لأبي جعفر(ع): جعلت فداك، إنّ الشيعة عندنا الكثير، فقال(ع):فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون ؟ فقلت: لا. فقال(ع): ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا .

أراد الإسلام أن يسود التراحم والتعاطف والمحبّة بين الناس، من أجل بناء المجتمع المتماسك، وأهمّها صلة الرحم، لأنّ لذلك تبعات في الدنيا والآخرة، عن رسول الله (ص): إنّ القوم ليكونون فجرة ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم؛ فتنمّى أحوالهم، وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبرار بررة .

ومن مظاهر الرحمة الإلهية التوفيق في قضاء حوائج الناس والتفريج عنهم، عن أبي الحسن الرضا (ع): من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فإنما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه، فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا  وهو موصول بولاية الله وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلط الله عليه شجاعا من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا .

ورغّب أهل بيت النبوة (ع) في التراحم بقضاء حوائج المؤمنين، عن الإمام الصادق (ع): إِنَّ لله عِبَاداً فِي الأرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُوراً فَرَّحَ الله قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

وللتأكيد على روح التعاون والتراحم؛ أوّل عمل قام به رسول الله (ص) في المدينة أنْ آخى بين المهاجرين والأنصار، وشدّد الإسلام على الاهتمام بأمور المسلمين، لذا قال رسول الله (ص): من أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم . فعلى المسلم أن يقضي حاجة أخيه المسلم ويواسيه ويُخفّف عنه ويُعينه، ويمتنع عن الإساءة إليه، ولا يُهينه ولا يخذلُه، عن الإمام الصادق (ع) قال: قال الله عزّ وجلّ: ليأذن بحرب منّي من آذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن . وكتب الإمام علي (ع) لمالك الأشتر يوصيه في أهل مصر: ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ .

أرادنا الله سبحانه وأهل بيت النبوة (ع) أن نكون دعاةً للدين بأفعالنا وأخلاقنا، وأكّدوا على ضرورة التّمسّك بأخلاق الإسلام وعاداته؛ لإظهار محاسن دين الإسلام، ولنكون دعاةً للدين ولأهل بيت النبوة (ع) بغير ألسنتنا، لأنّ هذا الدين تعرّض للتشويه، حيث طغى حب الدنيا عند المسلمين، فأعطوا صورةً مشوّهةً عن الإسلام، مع ما كذّبه الدخلاء على الإسلام من روايات وأحاديث، حتى تجمّع كمٌ كبير من الإسرائيليات التي عمل اليهود – الذين تظاهروا بالإسلام – على دسّها في السنّة النبويّة، ككعب الأحبار وغيره الذي وصل به الأمر أن يُفتي في محضر خليفة المسلمين، وخاصة أيام عثمان، وكانت تحصل مُشادّة بينه وبين الصحابي الجليل أبي ذر، مما سبّب نشوء حركات تكفيريّة من ذلك اليوم إلى يومنا هذا؛ ليُنفّروا الآخرين من الإسلام، تمشّياً مع مخططات أعداء الإسلام، وتنفيذاً لمآربهم وتحقيقاً لمصالحهم . ولأنّ الأمم – وخاصة في دول الغرب – إن رأوا صورة واضحة وصحيحة للإسلام فإنهم سيؤمنون به، إذ يجدون فيه حلاً لكثير من مشاكلهم الاجتماعية والنفسية، يقول برنارد شو: محمد يجب أن يُدعى منقذ البشريّة، ولو تولّى زعامة العالم الحديث لحلّ مشكلاته . ويقول انطوني كوين – الممثل السينمائي العالمي - : لم نفهم الإسلام مطلقا ولم نفهم محمدا مطلقا ... إنني أتحدث عن هذا الغرب وعلاقته بهذا الدين العظيم ، إن العالم يجب أن يمارس ٌدورا أكبر من التسامح والمعرفة والتفهم لهذا الدين ، علينا أن نعرف الكثير عن التجربة الإسلامية لنعرف كم ظلمناها  .

لقد حكم المسلمون العالم حينما كانوا أشدّاء على الكفار رحماء بينهم، ولكن حين انعكس الأمر، صاروا كالأيتام على مآدب اللئام، يقتلون اليمنيين، ويعتقلون علماء البحرين وأحرارها، وتآمروا على العراق وسوريا، لكنّ البقية ممن ثبتوا على خط الولاية والإسلام استطاعوا أن يسقطوا مؤامرات قوى الظلم والطغيان، فمنعوا إقامة دولة التكفيريين السفيانيين، وستدور الدائرة على من ساهموا في قتل المسلمين وتشريدهم، وسيسألهم الله عن كلّ قطرة دم مسلم أو إنسان بريء، وستدور الدائرة عليهم، لأنّ من يؤمنون بالتراحم والتعاون والأخوة لن يسكتوا على سفك دم إنسان بريء، أو يتركوا أرضاً يحتلّها أعداء الله، لأنّ العد العكسي لانزياح الظلم عن المنطقة قد بدأ من يوم استطاع الإمام الخميني (قدس سرّه) أن يطرد الشاه الظالم، ويؤسّس دولة الإسلام التي لا تخضع للعنصريّة ولا للأهواء، بل تسير على خطى رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) والصالحين من هذه الأمة، فأعادوا الحياة للإسلام من جديد، فكما استطاع الإسلام المحمدي الأصيل أن يُسقط دولتي الروم والفرس الذين عادوا لحكم المنطقة بعناوين أخرى ومسميات، لأنّ المسلمين تراجعوا وتغلّب عليهم حبّ الدّنيا، إنّ الجمهورية الإسلامية وقوى الممانعة التي حذفت كلمة هزيمة من قاموسها وتوكّلت على الله سبحانه ستتمكّن من إفشال كل مؤامرات قوى الاستكبار والطغيان، وستجتث الغدة السرطانية من قلب العالم الإسلامي، وسيرتد مكر أمريكا ومن معها إلى نحورهم، وتبقى كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى .

إننا نرفع أسمى آيات التهنئة للولي الفقيه القائم على رأس الجمهورية الإسلامية والراعي للحالة الإسلامية، ولكل القيادات في الجمهورية الإسلامية ولقيادات قوى الممانعة بذكرى انتصار الثورة الإسلامية، التي لا هي شرقية ولا غربية، نبذت العنصريّة والقومية، وآمنت بالله ورسوله، وسارت على خطى أهل بيت النبوة (ع) .

وفي ذكرى الشهداء القادة الذين هزموا العدو الصهيوني، وأسّسوا لحالة ممانعة ومقاومة، ليس في لبنان فحسب؛ بل في المنطقة، وصارت المقاومة بفضل دمائهم وتضحياتهم وحكمة قادتها ورعاية الجمهورية الإسلامية لها؛ قوّة اقليميّة يخشاها الكيان الصهيوني وتحسب لها قوى الاستكبار الحساب، بعد أن قضت على حلم الصهاينة بإسرائيل الكبرى، وجعلت الصهاينة يعيشون العد العكسي لكيانهم الغاصب، وفي نفس الوقت استطاعت قوى الممانعة من إفشال مؤامرة إقامة دول التكفيريين في العراق وسوريا، وبذا عاد طريق الوصل بين دول الممانعة من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق، ومتحالفة مع كل الأحرار ومن هم ضد المشروع الصهيو أمريكي، فللقادة الشهداء التحية والرحمات، وللقادة الأحياء التقدير والدعاء، وبالأخص حجة الإسلام سماحة السيد حسن نصر الله، لإكمال النصر وتحرير كامل تراب فلسطين، وتطهير القدس من الصهاينة، " إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا  " . لقد ولّى زمن الهزائم، وانتهت الغطرسة الجويّة الصهيونية بإسقاط الطائرة الإسرائيلية فوق الجولان، وتواصل القادة الصهاينة بالروس حتى لا يتدخّل حزب الله في الحرب، هذا لم يكن ليحصل لولا تأكّد الصهاينة من أنّ المقاومة قادرة على هزيمتهم، وأنهم لا يتحمّلون نشوب حربٍ معهم، كان الصهاينة يُنفّذون ما يريدون، ويعتدون على لبنان وسوريا غير مكترثين بالمنظمات الدولية وقرارات الأمم، تكفيهم قوّتهم والغطاء الأمريكي لهم، من هنا نقول لمن ما زال يتحامل على المقاومة وسلاحها: أنه لولا بقاء المقاومة على استنفارها لصد أي عدوان صهيوني؛ لكانت إسرائيل تعتدي يومياً وتحتفظ بقسم كبير من أرض لبنان، ولما استطاع لبنان التحدّث عن النفط والغاز – فضلاً عن استخراجه، وما تهديد رئيس البلاد بمواجهة أي عدوان صهيوني إلاّ اعتماداً على الثلاثية [جيش وشعب ومقاومة] التي حفظت لبنان من الخطر التكفيري والصهيوني .

وآخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .