Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة [ الصّدْقُ مَعَ الله] لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2018-06-22 [20:58]::

۞ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ۞

انقضى شهر رمضان، وهو من مواسم الجود الإلهي، عُتقتْ فيه رِقابٌ من النار، ووزّع الله سبحانه فيه جوائزه على المُطيعين والمُخلصين الذين لبّوا نداء حبيبهم بشوقٍ ولهفة، مُسارعين إلى مغفرةٍ منه وجنّة، مُنتهزين فرصة هذا الشهر الكريم، لأنّ الزمن الذي مضى لا يعود، كما في المأثور؛ أنه ليس يومٌ يأتي من أيام الدنيا إلاّ يتكلّم ويقول: يا أيها الناس إني يوم جديد، واني على ما تفعلون شهيد، واني لو قد غربت الشمس لم ارجع إليكم إلى يوم القيامة. وفي حديثٍ آخر يقول: يا ابن آدم اليوم ضيفك والضيف مرتحل، يحمدك أو يذمّك، وكذلك ليلتك . وفي حديثٍ ثالث يقول: مَا مِنْ يَوْمٍ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا إِلا نَادَى : ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي ، لَعَلَّهُ لا يَوْمَ لَكَ بَعْدِي ، وَلا لَيْلَةٍ إِلا تُنَادِي : ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي ، لَعَلَّهُ لا لَيْلَةَ لَكَ بَعْدِي .

من يفتح قلبه على الله ويُدرك أنْ ليس له من دنياه إلاّ ما عمله لآخرته بصدقٍ وبنيّةٍ رافقها حبّ الله سبحانه؛ فلا بدّ وأن يكون صادقاً مع ربّه، ومدركاً أنّ الصلاة وحدها لا توصل إلى رضوان الله، بل هي مظهر عبادة الله سبحانه، فعلى المسلم أن يكون صادقاً مع ربّه، مراقباً نفسه في كلّ حالاتها ومجالاتها؛ أين هي من الله سبحانه؟ ويكون صادقاً مع الله في قوله وفعله وكل حالاته، فيكون إيمانه صادقاً وقوله صادقاً وفعله صادقاً، ورد في الحديث: أنّ الإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان . بأن يعتقد الإنسان بالحق وينطق بالحق ويعمل به، إذ ليس للعبد شيء أنفع من صدقه مع ربّه، وقد ورد أنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، والصادق مع الله سبحانه يأتي بما يُحبّه الله دون نظرٍ إلى آثارٍ دنيوية، ولا طلباً لجاه، " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً " .

والصادق مع الله سبحانه يؤمن بأنّ الله هو خالق الكون، وهو الذي بيده ما في السموات والأرض، وهو القادر على كلّ شيء، بيده الحياة والموت، والعطاء والمنع، وهو الذي يوفي الحساب يوم الحساب، وأنّ الخلق في الآخرة إما صائرون إلى نعيمٍ خالدٍ أو إلى عذاب خالدٍ، ويؤمن بأنّ الله خلق ملائكة تتولى تسيير هذا الكون إلى غايةٍ اله يريدها، ويؤمن بأنّ القرآن هو معجزة النبي محمد (ص) وخاتم النبيين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الإيمان الراسخ يدفع بالمؤمن للتمسّك والتحلّي بالأخلاق الحسنة والممدوحة، فيتصدّق على الفقراء والمساكين والأقارب ومن انقطع في غير بلده، ويصبر في السراء والضراء، ليكون صادقاً متّقياً، ومصداقاً لقوله سبحانه " لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " . فقد صدّقت أعمالهم إيمانهم، وتركوا ما نهوا عنه، وفعلوا ما أمروا به التزاماً بكل خصال الخير وابتعاداً عن كلّ خصال الشر . إنّ الصدق مع الله سبحانه ليس أمراً نتظاهر به، أو نتجمّل فيه؛ بل هو التزامٌ وعملٌ ونيّة صادقة، يُعطي الله فيها الثواب حتى عندما يتعذّر القيام بالعمل المطلوب، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ . وقال أمير المؤمنين (ع): طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه ، وحبّه وبغضه ، وأخذه وتركه ، وكلامه وصمته ، وفعله وقوله . الصدق مع الله سبحانه منجاة عند الشدائد، وفوز في الامتحان، " وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " فإنّ إبراهيم (ع) بمجرّد أن شرع بتنفيذ الرؤيا بذبح ولده وصدق مع الله سبحانه؛ جاءهُ الفرج والعطاء من الله سبحانه .

والصدق معه سبحانه من علامات الإيمان الذي يورث يقيناً في القلب ويدفع الإنسان لأنْ لا يُبالي بشيءٍ عندما يسير في طاعته سبحانه، سواء حصل على شيءٍ من حطام الدنيا أو لم يحصل، وسواء وقع على الموت أو وقع الموت عليه، إذ ليس بمجرّد الاعتقاد بالله ينجو الإنسان، بل لا بدّ أن يكون الاعتقاد متلازماً بالانقياد لله إخلاصاً له سبحانه، وتصديقاً بوعده، لأنّ الإنسان المؤمن مهما عمل في جنب عطايا الله يرى نفسه مُقصّراً، ويرى نفسه على خطرٍ يخشى الهلاك، لأنه يحرص على أن يكون من الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): هلك العاملون إلا العابدون وهلك العابدون إلا العالمون ، وهلك العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون وإنّ الموقنين لعلى خطر عظيم . قال الله تعالى لنبيه (ص) " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "، وأدنى حد الإخلاص بذل العبد طاقته، ثم لا يجعل لعمله عند الله قدراً، فيوجب به على ربّه مكافأة بعمله؛ لعلمه أنه لو طالبه بوفاء خلق العبودية لعجز، وأدنى مقام المُخلص في الدنيا خلوّه من جميع الآثام، وفي الآخرة النجاة من النار والفوز بالجنة، فلا عبرة بعملٍ لا إخلاص معه، ولا نجاة من حبائل الشيطان إلاّ بالإخلاص، لقوله تعالى "إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ "، وورد في الحديث: اخلص العمل؛ يجزك منه القليل . ثمّ إنّ المؤمن الصادق مع الله سبحانه لا يتردّد في البذل ويُضحّي بنفسه في سبيله سبحانه، قال تعالى " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " .

إنّ عمل الجوارح يأتي تصديقاً لما عليه قلب الإنسان، فلا يمكن أن يكون الإنسان صادقاً في ادعائه الإيمان ويبخل بماله فلا يتصدّق ولا يُعين المساكين، ولا يصل الرحم، ولا يُجهّز غازياً، ويجبُن عن الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة أعدائه السفلى، لأنّ عمل الجوارح يأتي تعبيراً عن مكنونات الصدور، فإن طابق القول والعمل ما في الصدور؛ كان صاحبه مؤمناً، أمّا إذ خالف القول والعمل ما في الصدور؛ اعتبر صاحبه منافقاً، والمنافقون في الدرك الأسفلِ من النار، وقد وصف سبحانه عبادتهم فقال " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً " وبسبب النفاق الذي يعيشه كثيرٌ من الشعوب تسلّط عليهم الظالمون، يأخذون ما يجدون ويطلبون ما يجدون، كما نحن في لبنان، حتى أوقعوا البلد تحت ديون خيالية لا تتناسب أرقامها وواقع الحال، إذ لو كان الدَّين صُرف على مشاريع بميزانيات صادقة؛ لكان المواطنون يعيشون الرخاء وينعمون بخدمات تكفيهم وتكفي جيرانهم، لكن انعدام الصدق مع الله ومع الناس – الخدمات ضعيفة على كل المستويات الضرورية من ماءٍ وكهرباءٍ وصحةٍ وتعليمٍ، ولولا رجال صدقوا مع الله لما كنّا نشعر بالأمن والأمان، والله العالم كيف نكون؟ وأين نكون؟

إننا نعتبر أنّ خروج الولايات المتحدة الأمريكية من مجلس الإنسان لهو دليلٌ على الوجه الحقيقي للنظام الأمريكي الأرعن، وما كان بقاؤه في هكذا منظمات إنسانية إلاّ للتغطية على جرائم المشروع الصهيو أمريكي وبالأخص ما يحدث مؤخراً في فلسطين المحتلة واليمن .

إننا نطالب بوضع خطة لمعالجة أزمة النازحين في لبنان، بحيث لا تكون على حساب الشعب اللبناني، ونشدّد على ضرورة التنسيق السوري اللبناني لانجاز هذه المهمة بأسرع وقت ممكن، وفق خطة تخدم مصالح البلدين.

إننا نستغرب المماحكة من بعض الأطراف، ما يؤخر تشكيل الحكومة الواجب الإسراع فيها في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة، ونطالب المجلس النيابي اللبناني بإقرار تشريع دستوري يحدد فترة زمنية محددة لتشكيل أي حكومة منعاً للمماطلة .

ونختم مؤكدين على رجال الدين والأمن القيام بدورهم لمنع الفلتان الاخلاقي المتستر بالمهرجانات الصيفية وغيرها خصوصا على الشواطئ .

[وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ وَصَلِّ اللّهُمَّ عَلَى ُمحمّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ]