Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


خطبة الجمعة [ الـمُـروءَة] لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي

:: 2018-06-29 [21:44]::

۞ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ۞

عن رسول الله (ص): أدّبني ربّي فأحسن تأديبي . وقال (ص): إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق .

بعث الله سبحانه نبيّه محمداً (ص) رحمةً للعالمين؛ ليُخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، ومن أهم ما جاء به الإسلام هو تحصيل الفضائل ونبذ الرّذائل، لتمييز شخصية الإنسان المسلم عن غيره، ومن أهم الصفات المروءة؛ التي هي خُلق رفيع، تفرض المروءة على الإنسان الوقوف عند محاسن الأخلاق وأفضل العادات، لأنّها تحجب صاحبها عن الرّذائل من الصفات، وتحمله على الفضائل، فيستقيم لسانُه، فلا يخرج منه إلاّ القول الصادق والكلام الحميد، ويبذل المعروف، ويكفّ أذاه عن الآخرين، ويلقاهم بوجه بشوش، ويحتمل الأذى ويقيل العثرات، لأنّه إنسان يسعى إلى الكمال في الشخصية والرجولة، لأنّ المروءة هي مقياس رجولة الإنسان ومقياس إنسانيته، والمروءة تدخل في الأخلاق والعادات والأحكام والعبادات .

وقد عرّفوا المروءة: بأنّها مراعاة الأحوال إلى أن تكون النفس على أفضلها، حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجّه إليها ذم باستحقاق . وقالوا: المروءة آداب نفسانية يحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العبادات، عن رسول الله (ص): من المروءة أن ينصت الأخ لأخيه إذا كلّمه . وللإمام علي (ع) أقوال كثيرة في المروءة؛ منها قوله (ع): المروءة اسم جامع لسائر الفضائل والمحاسن . وقال (ع): المروءة تمنع من كلّ دنيّة . وقال (ع) – لمّا سُئل عن المروءة - : لا تفعل شيئاً في السر تستحي منه في العلانية . وقال (ع) لقومٍ يتحدّثون: فيما أنتم؟ فقالوا نتذاكر المروءة . فقال (ع): أو ما كفاكم الله في كتابه إذ يقول: « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ » فالعدل الإنصاف، والإحسان التفضل، فما بعد هذا؟ . وقال (ع) في موطنٍ آخر: ثلاث فيهنّ المروءة؛ غض الطرف، وغض الصوت، ومشي القصد . وقال (ع): ثلاثة هنّ المروءة؛ جودٌ مع قلّة، واحتمالٌ من غير مذلّة، وتعفّفٌ عن المسألة . وعنه (ع): لا تتم مروءة الرجل حتى يتفقّه في دينه، ويقتصد في معيشته، ويصبر على النائبة إذا نزلت به، ويستعذب مرارة إخوانه .

في الحديث قال رسول الله (ص) لرجل من ثقيف: ما المروءة فيكم؟ فقال: الصلاح في الدين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النفس، وحسن الخلق، فقال (ص): كذلك هي فينا . وعن الإمام الحسن (ع) لمّا سأله معاوية عن الكرم والنجدة والمروءة، فقال (ع): أما الكرم فالتبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل... وأما المروءة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس، وقيامه بضيعته، وأداء الحقوق، وإفشاء السلام . وعن الإمام الباقر (ع): المروءة أن لا تطمع فتُذل، وتُسأل فتقِل، ولا تبخل فتُشتم، ولا تجهل فتُخصم . وعن الإمام الصادق (ع) عندما سُئل عن المروءة: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك . وعنه (ع): المروءة مروءتان؛ مروءة الحضر، ومروءة السفر، فأما مروءة الحضر فتلاوة القرآن، وحضور المساجد، وصحبة أهل الخير، والنظر في الفقه، وأما مروءة السفر فبذل الزاد، والمزاح في غير ما يسخط الله، وقلة الخلاف على من صحبك، وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم .

الإنسان العاقل يحافظ على المروءة في كل الحالات، منها المروءة مع الله سبحانه؛ فيستحي من الله حقّ الحياء، فلا يقابل إحسان الله ونعمه بالكفران والجحود والطغيان، فإنه يرى لزاماً عليه أن يلتزم بكلّ أوامر الله ونواهيه، ويراقب الله في كل حركاته وسكناته في السرّ والعلن، وفي السراء والضراء، ويحذر من أن يكون بذلك مخالفة لله سبحانه الذي أعطاه كلّ شيء ليعبده، فلا يستعين بما مكّنه الله منه على معصيةٍ، فيحرص أن يكون حيث يريده الله سبحانه .

ومن المروءة مروءة الإنسان مع نفسه، هذه النفس التي سلّطه الله عليها؛ ليزكّيها ويطهّرها ويحملها على ما يجمّلها ويزيّنها، ويبتعد بها عن كلّ ما يدنّسها ويُعيبها، فيحملها على الوقوف في مواطن الخير والبر والإحسان والصلاح، لترتقي إلى مراتب الحكمة " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا " فمروءة العبد مع نفسه هو بتزكيتها؛ لتبقى قريبة من ساحة قدس الله تعالى، ملازمة لرضاه ومرضاته .

ومنها المروءة مع الناس؛ فيفي الخلقَ حقوقهم على اختلاف منزلتهم في القرابة وغيرها، فيرى أنّ الخلق كلّهم عيال الله وعباده سبحانه، لا فضل لحاكم على محكوم، ولا لغني على فقير، ولا لقوي على ضعيف، إلاّ بمقدار التزامهم بأوامر الله ونواهيه، فيكرم مَنْ يُكرمه الله سبحانه " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " .

ومن المروءة العفو والتسامح؛ وهذا ما عليه الأنبياء والأوصياء والصالحين، النبي محمد (ص) عندما عاد إلى مكّة ودخلها فاتحاً قال لأهلها الذين آذوه كثيراً وأخرجوه منها: يا أهل مكة أو يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم . فقال (ص): اذهبوا فأنتم الطلقاء . لم يُعاقب، بل حتى لم يُعاتب، على حرمانه من بلده الذي أحبّ، وقد خاطب مكّة عندما أخرجوه منها قائلاً وهو مهاجر: إنّك لأحب البلاد إلى النفس، ولولا أنّ أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ . وقال (ص): اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة . وهذا مما يدلّ على المروءة مع الأوطان، فالمروءة مع الوطن هو حب الوطن، والعمل على أن يكون عزيزاً كريماً غنيّاً ومستقلاً، لأنّ قوام المجتمع والأوطان بالأخلاق التي على رأسها المروءة، وقد قال الشاعر:

وإذ أصِيبَ القومُ في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتماً وعويلا

إنّ سبب البلاء والمعاناة التي يعيشها عالمنا العربي والإسلامي اليوم هو فقدان حس المسؤولية والمروءة الوطنية والدينية، المروءة التي تمنعهم من الاستئثار بالمال العام وإسقاط المحرمات في سبيل تحقيق أطماعهم ومآربهم، فقلّة المروءة لدى الناس تجعلهم يُسيؤون اختيار المسؤولين، وقلة المروءة عند المسؤولين تجعلهم يتجاهلون الحالات الاجتماعية، ولا يسمعون أنّات المستضعفين، كأنّهم يعتقدون أنّ الشعب غافل عما هم عليه، لأنهم فقدوا مروءتهم فرضوا بالذل والهوان، ولنعم ما قال الشاعر:

مررتُ على المروءة وهي تبكي * فقلتُ علامَ تنتحبُ الفتاةُ؟

فقالت: كيف لا أبكي وأهلي * جميعاً دون خلق الله ماتوا؟

إنّ من تزيّن بالمروءة لا يهن ولا يستكين ولا يرضَ بذل، فأصحاب المروءة هم الذين حرّروا الأرض وسيحرّرون إرادة الإنسان من الظلم والحرمان، حتى تعود لكلّ المواطنين مروءتهم ويجيؤوا بحكّام من أهل المروءة والعفة والنزاهة والإحسان .

إننا نرى أن أهم خطوات تحصين الوضع الداخلي اللبناني هي الإسراع في تشكيل حكومة لمعالجة قضايا الناس والوضع الاقتصادي الدقيق الذي تؤكد خطورته معظم الدراسات لا سيما المالية منها التي تضع الجميع على المحك في الالتزام بحماية مصالح المواطنين وكيان الدولة وهيبتها.

ان وضع الكهرباء في لبنان عموماً ومنطقة الجنوب خصوصاً يؤكد أن تقصير الدولة بلغ مرحلة الغياب خاصة في مطلع فصل الصيف الحالي .

ونشير إلى أن الكيان الصهيوني يواصل تعنته وإصراره على رفض ترسيم الحدود البحرية لأنه يطمع بالثروة النفطية اللبنانية، فيما بعض المسؤولين يتلهّون بقشور المصالح بوزارة هنا ووزارة هناك، ونشدّد على أنه لولا المقاومة والجيش والشعب خلفهما لكان العدو الصهيوني وضع يده على الحجر والبشر في لبنان .

ونختم منددين بعمليات التطبيع التي تُبيّت شراً للقضية الفلسطينية ومصالح الأمتين العربية والإسلامية بعد لقاءات لم يكن يحلم بها العدو الصهيوني .

[وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ وَصَلِّ اللّهُمَّ عَلَى ُمحمّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ]