زيارة الحريري الغامضة لأبوظبي كشفت عن الخطة.. مغامرة إماراتية - سعودية بسُنة لبنان لمحاصرة الحزب
المصدر : عربي بوست تاريخ النشر : 26-02-2020
“تحالفات جديدة وعودة للاستقطاب السني الشيعي، ولكن برعاية إماراتية ومشاركة مسيحية”، تبدو هذه الملامح المتوقعة للمرحلة الجديدة في الأزمة اللبنانية التي قد تدشنها زيارة غامضة قام بها زعيم تيار المستقبل إلى أبوظبي مؤخراً.

حملت الذكرى الخامسة عشرة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري دلالات سياسية جديدة، أبرزها محاولات استرجاع تحالف 14 آذار، الذي كان شبه قد تفكك إثر التسوية بين الحريري والعماد ميشال عون وصهره جبران باسيل.

الأغلبية ضد باسيل

ومع تزايد وتيرة التوتر بين الحريري وباسيل بدأ الاستقطاب في لبنان يعود إلى سيرته الأولى، مع بعض الاختراقات من الجانبين.

إذ يتقارب الحريري مع حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع والحزب الاشتراكي بقيادة حركة أمل.

ولكن اللافت أن هذا التقارب يشمل اثنين من أهم حلفاء حزب الله، وهما حركة أمل بقيادة نبيه بري، وتيار المردة بقيادة سليمان فرنجية.

لا يعني ذلك أن المردة وأمل سيخرجان من تحت جناح حزب الله ، ولكن وهما تحت هذا الجناح يعتبران نفسهما في مجابهة باسيل.

أما باسيل فيبدو أنه لن يقف معه سوى السنة اللبنانيين، الموالين لحزب الله (يطلق عليهم سنة حزب الله)، والزعيم الدرزي طلال أرسلان، وجماعات موالية لسوريا. الحريري هو عراب هذا التحرك، ولكنه لن يكون قوته الضاربة.

فلقد فهم الحريري أن بوابة استعادة الشعبية الوطنية واحتضان المظلة الإقليمية لا تمر إلا عبر التخلي عن التسوية مع عون، التي كان الرجل عرابها الأساسي، والتي فتحت الباب على تقسيمات سياسية يكاد لبنان يختنق منها ويلفظ أنفاسه الأخيرة اقتصادياً ومالياً.

كما أنه وجد أن الأزمة المالية والسياسية التي تضرب البلاد، والتي يبدو أنه ليس هناك فكاك منها تحتم تحميل المسؤولية لطرف واحد يحاسبه الناس ويشتمونه في الساحات والميادين اللبنانية، وهذا ما استطاع خصوم باسيل فعله.

فكل ثورة تحتاج إلى عدو، وباسيل جعل نفسه عدواً للثورة اللبنانية، كما أن خصومه وحلفاءه على السواء فضلوا أن يتلقى هو الشتائم بدلاً منهم، قد حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله استثناء، الذي فعل العكس، فقد حاول إضعاف الحراك فنال سخطه، رغم أن المشاركين في الحراك في البداية لم يركزوا على دور حزب الله كثيراً.

ولكن ظل باسيل، رغم محاولات حزب الله حمايته، هو الخصم الأساسي لثوار 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، كترجمة فعلية لردة الفعل على استفزازاته التي لم تنتهِ، واستمرت رغم انحدار البلاد للمجهول.

تحول باسيل لعامل إحراج قوي لحليفه الأبرز؛ أي حزب الله، في ظل سخط حلفاء الحزب أنفسهم من ممارسات الرجل.

يقوم تحالف باسيل مع حزب الله على فكرة حلف الأقليات، أي تحالف الأقليات المسيحية والشيعية في سوريا ولبنان (بما في ذلك بشار الأسد) ضد الأغلبية السنية في الإقليم.

تتناقض أدبيات هذا الحلف الذي كرّسه التيار الوطني الحر وحزب الله في كنيسة مارمخايل في العام 2016 مع أدبيات كثير من القوى الناصرية المؤيدة لحزب الله، ولكن يبدو أن أغلب هذه القوى مستمرة في دفاعها عن تحالف حزب الله وعون، رغم أن باسيل لا يُخفي عداءه وعنصريته ضد الأغلبية السنية في الشام.

أما حزب القوات اللبنانية الذي يمثل بدوره اليمين الماروني المتطرف، وله صولات خلال الحرب الأهلية في التحريض ضد المسلمين، فيتبنى مقاربة معاكسة.

بالنسبة للحزب فإن العدو الأساسي للموارنة في لبنان هو نظام الأسد، الذي أذاقهم الأمرّين خلال الحرب الأهلية، ويرى أن السنة بحكم انفتاحهم الاجتماعي أقرب للموارنة من الشيعة، كما يرى أن علاقة لبنان والموارنة مع النظام العربي الرسمي هي الأولى من علاقتهم مع سوريا وإيران.

ووصل جعجع في هذا الموقف إلى أنه كان مؤيداً متحمساً للثورة السورية.

خفف ظهور خطر داعش وهزيمة الثورة السورية ثم تسوية الحريري وباسيل هذا الانقسام الذي يشطر لبنان إلى نصفين.

ولكن يبدو أنه سيعود مجدداً مع رعاية إماراتية.

كانت مصادر الحريري تشي حتى ما قبلَ إحياء ذكرى والده، الذي يُتهم حزب الله والنظام السوري بتصفيته بحسب تحقيقات المحكمة الدولية، بأن الرجل يعيش مرحلة الانقلاب على التسوية التي أبرمها مع باسيل بعد خروجه القسري من الحكم.

أطيح بأحلام الحريري في ساحات الثورة اللبنانية، الذي كانت حكومته أول القرابين المقدمة للناس في الشارع، الغاضبين من سياسات حكومته التي كان منظرها الأساسي جبران باسيل.

كانت ممارسات باسيل وتدخلات حزب الله في المنطقة عبر تصدير الحروب والمشاكل والعلاقات المتوترة مع دول المنطقة، وسكوت الحريري تارة وتبريره تارة أخرى، كانت سبباً أساسياً في رفع رعاة سنة لبنان دعمهم له.

فلم تعد السعودية تكترث بالرجل، فهي التي احتجزته ومنعته من الاستثمار وبقيت تنظر إليه وهو يغلق شركاته ومؤسساته ومنابره الإعلامية دون جرعة مساعدة واحدة تعيد الحياة لمشروع سياسي كانت الداعم الدائم له.

المفارقة أن عون وباسيل كانا أبرز داعمَين للحريري خلال أزمة احتجازه في السعودية، بينما كان موقف جعجع مؤيداً للسعودية، وهو ما زاد الضغينة بين الرجلين.

وبدورها، فإن الإمارات تجاهلت شكاوى الحريري ونداءاته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وحدها أبوظبي كانت قادرة بحسب ما قالت مصادر مطلعة لـ “عربي بوست” على إنقاذ الرجل، وإقناع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بإنقاذ الحريري.

لكن الواضح أن رسالةً كانت توجه بشكل دوري للحريري، أن قيامه بتوفير غطاء لحزب الله المحاصر أمريكياً، والتيار الوطني الحر المنبوذ أوروبياً، سيمنع فتح أبواب قصر الملك المستقبلي للسعودية أمام نجل رفيق الحريري.

فالأمير محمد بن سلمان يتلقى ضربات من إيران وحلفائها في اليمن وبدعم من حزب الله والمملكة تضرب بصواريخ حوثية إيرانية الصنع، وتعطل صادراتها النفطية بعد ضربة أرامكو، والحريري لا يحرك ساكناً، حسب هذه المصادر.

لا بل يقف مع باسيل في حربه ضد حزب القوات اللبنانية (حليف السعودية في الوسط المسيحي) ويصمت عن محاولة تطويق الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ما زاد الأمر تعقيداً مع دول عربية وإقليمية.

الرحلة الغامضة التي ستدشن المرحلة الجديدة
حطّ الحريري رحاله في أبوظبي، في 20 فبراير/شباط، في مستهلّ جولة عربية هي الأولى منذ استقالته، جولة يعتقد أنها ستشمل السعودية أيضاً.

وكان في استقباله في المطار الوزير الإماراتي محمد خليفة المبارك والسفير اللبناني في الإمارات العربية المتحدة.‏

لم يوضح الحريري سبب الزيارة، ولم ينشر صورة واحدة لزيارته، ولا لقاء جمعه بولي عهدها محمد بن زايد، الذي يبدو أنه يسعى لإزاحة الرياض عن المشهد اللبناني والجلوس مكانها.

هذا الغموض يطرح تساؤلات عدة عن أهداف الزيارة وتوقيتها، وحجم الاهتمام الخليجي بها، كون الرجل في خطابه الأخير عشية 14 فبراير/شباط 2020 غازل الخليجيين، وأعلن مراراً أنه محط ثقة دول المنطقة، كزعيم لبناني يمتلك كتلة نيابية ستتجه للمعارضة، في حين أن زيارته للسعودية لم تؤكد بعد.

لكن، وبحسب مصادر مطلعة لـ “عربي بوست” فإن لقاءً يجري التحضير له بين الحريري وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، لمناقشة الخطوات القادمة وإعادة تقييم المرحلة السابقة.

شروط ولي العهد السعودي لتجديد رعايته للحريري
يرى المصدر أن السعودية جدية في إعادة إحياء وجودها بلبنان، لكن بشروط واضحة، أبرزها إعادة تكوين فريق 14 آذار، ويكون عماده الرئيسي تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية، وشخصيات تخاصمت مع الحريري بعد التسوية الرئاسية، ونشبت بينها وبين الرجل حروب إلكترونية وتلفزيونية وأقصيت عن المشهد العام.

لذا فإن السعودية ستعلب دوراً في جمع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري وزعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي استقال وزراؤه من حكومة الحريري، ورفض تسميته في الاستشارات النيابية كرئيس للحكومة، ما عزّز القطيعة والخصومة بين الفريقين خلال المرحلة الماضية.

وبانتظار لقاء غسل القلوب بين جعجع والحريري، تسعى الرياض وأبوظبي لرسم خارطة طريق واضحة للحريري، أبرزها إحاطته بالقيادات السنية عبر دار الفتوى ورؤساء الحكومات السابقين، وإعادة إحياء خطاب العداء لحزب الله وإيران، كجزء من معركة وجودية تخوضها الرياض ضد طهران.

وهذا ربما لا يستطيع الحريري فعله، لإيمانه أنه لا يمكن إلغاء حزب الله وحاضنته الشعبية المتمسكة به.

كما أن هذه السياسات سيكون المواطنون اللبنانيون السنة هم من يدفع ثمنها في الأغلب، نظراً لأن المسلحين الشيعة التابعين لحركة أمل والحزب يسيطرون على مفاصل الحياة في بيروت وصيدا والعديد من المناطق التي بها وجود سني شيعي مشترك في البلاد.

وعلى الأرجح فإن دور تأجيج العداء الصريح لحزب الله سيكلفه به سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، بحسب مصادر مقربة لحزب القوات.

فالقوات يعتبر الخصم الأيديولوجي لحزب الله وولاية الفقيه، ويتغذى عليه لكسب حضوره في الشارع المسيحي، كما أن التركيبة ذات الجذور العسكرية للحزب وطبيعة الطائفة المارونية المتحصنة في معاقلها في جبل لبنان والأشرفية بشرق بيروت، تجعل من الصعب على حزب الله التحرش بأنصار القوات.

أما الحريري فسيتولى مهمة محاولة إسقاط جبران باسيل وإضعافه بالتحالف مع وليد جنبلاط، الخاسر الأكبر في تسوية باسيل الحريري الميتة.

تبدو هذه الخطة كأنها محاولة لتجربة المجرب، فقد نفذ هذا السيناريو ولم يُضعف حزب الله ولا باسيل، بل أشعل التوتر في طول البلاد وعرضها، مع ملاحظة أن الشيعة أقوى في الشارع من السنة، بفضل سلاح ميليشياتهم، كما أن عون والحزب أصبحا يسيطران على الدولة بشكل أكبر.

وأفضى تصعيد قامت به قوى 14 آذار خلال عام 2008، عندما أرادوا تفكيك شبكة اتصالات حزب الله، إلى اقتحام عناصر الحزب وأمل لبيروت، رغم أن تيار المستقبل كان يقود الحكومة، وفشل مسلحو التيار في حماية مقارّهم، فيما وقف الجيش اللبناني على الحياد.

الحريري لا يريد الدخول في الصراع السعودي- الإماراتي مع تركيا وقطر
يشير رئيس المكتب السياسي لتيار المستقبل، الدكتور مصطفى علوش، أن التكتم على مخرجات زيارة الحريري الخليجية يأتي من كون الرجل لا يملك صفة رسمية، سوى أنه رئيس حزب، ونائب برلماني، وهو ما جعله يتجه للتكتم على الزيارة ومضامينها. وحول دعم الرياض وأبوظبي لجبهة معارضة ضد العهد وحزب الله قال علوش لـ “عربي بوست”، إنه بدعم ومن دون دعم فإن الحريري اتخذ قراره بتشكيل تحالف برلماني واسع للمعارضة في وجه العقلية التي تدير البلاد، ولمواجهة التحديات المفروضة على لبنان.

ويرى علوش أن أبرز ما يحمله الحريري في أجندة زياراته إعادة الثقة بلبنان، وأن فريقاً واسعاً من اللبنانيين ليس راضياً عن سياسة الابتعاد عن الإجماع العربي. وبحسب علوش فإن الحريري مازال يتمتع بعلاقات واسعة مع دول عديدة كالولايات المتحدة وفرنسا والسعودية والإمارات وقطر وتركيا والكويت، لكنه يدرك حساسية الدول فيما بينها، نتيجة العقلية القبائلية، هناك صراع إقليمي بين الخليج وإيران وبين دول عربية وقطر، وبين دول عربية وتركيا، وهذا ما يحاول الحريري تجنبه. السعودية كانت تاريخياً داعمة أساسية لاستقرار لبنان، لذا فإن إعادة إحياء التواصل معها أمر أساسي ومهم.

   

اخر الاخبار