رسالة الجمعة لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب
تاريخ النشر : 27-03-2020
وجه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب رسالة الجمعة التي قال فيها: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد و على اله الطيّبين الطّاهرين، الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحًا لذكره، وسببًا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، ومعاذًا من بلائه، ووسيلة إلى جنانه، وسببًا لزيادة إحسانه ، والصلاة على رسوله نبيّ الرّحمة وإمام الأئمّة، وسراج الأمّة المنتجب من طينة الكرام وسلالة المجد الأقدم ومغرس الفخار المعرق وفرع العلاء المثمر المورق وعلى اهل بيته مصابيح الظلم وعصم الأمم ومنار الدين الواضحة ومثاقيل الفضل الراجحة ،فصلِ اللهم عليهم أجمعين صلاة تكون إزاء لفضلهم ومكافأة لعملهم، وكفاء لطيب أصلهم وفرعهم ما أنار فجر طالع وخوى نجم ساطع .
اما بعد، فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ . لقد صيغت هذه الاية المباركة بصورة الخطاب الالهي المباشر للناس، بهذه الصورة الجميلة المملوءة بالحب والعطف والرحمة،فهو الاله المالك لكل شيء القادر على كل شيء المتصرف في كل شيء كيف شاء وان شاء لا يمنعه مانع ولا يصرفه صارف ، يعلمهم جميل الخطاب ويؤدبهم بأحسن الاداب ويرشدهم الى حسن العشرة والتواضع وكيف يجب ان يخاطب العالم منهم الجاهل والكبير الصغير والغني الفقير على قاعدة التراحم والتكافل والتعارف، منبها لهم سبحانه الى حقيقة انهم عباد مخلوقون له ، وانها أولى الحقائق التي يجب ان يعرفوها وقاعدة الرشاد التي ينبغي ان يستندوا اليها في أمور حياتهم حتى تستقيم ويستهدوا بما يعرض لهم كما يستهدي التائه في الصحراء في الليل البهيم في النجوم كي لا يتيه في ظلمائها ويقع فريسة لوحوشها الضارية، ففي الحياة تضاريس كتضاريس الطبيعة فيها السهول والجبال والوديان تأوي الوحوش الضارية من أصحاب السوء والضمائر الميتة والغايات الخبيثة والقلوب القاسية التي لا تعرف الا الانا، ولا ذمة لهم ممن نسوا الله سبحانه وتعالى فأنساهم انفسهم وممن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم كما جاء في الذكر الحكيم :"لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم اضل سبيلا" صدق الله العلي العظيم.
وتابع سماحته...لهذا الطريق اعلام يستضاء بها وهم الادلاء على الله سبحانه وتعالى وهم انبياؤه ورسله وأولياؤه الذين جاءوا بالحق وبه يعدلون فيوضحون السبل وينفون الشبهات ويأخذون بأيدي الناس الى طريق الحق ان اشتبهت عليهم المسالك فكادوا ان يضيعوا في متاهات الرؤى الضالة والمنحرفة عن سبيل الله، قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين.
أيها الاخوة المؤمنون... لقد بين سبحانه لنا الى جانب ذلك فلسفة الايجاد والخلق للناس وانهم في موضع الامتحان والتبرير في هذه الغاية، فقال تعالى: خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا، فالغاية هي التعارف وبالتعارف يكون التكامل بين الانسان والانسان وبين الشعوب بعضها مع بعض، والذي لن يتحقق من دون هذا التنوع في الخلق والاختلاف في الرؤى والأفكار والمصالح ،ولقد قدم الذكر و الانثى لانه الأصل في هذا التنوع البشري والاختلاف القبائلي، فلا وجود لهذه الشعوب والقبائل بدون وجود هذه القاعدة والاصل، فالتعارف أولا بين الذكر والانثى ولولا هذا التعارف والتكامل بينهما لما وجدت اسرة وحياة ولا كانت شعوب ولا قبائل، كما ان هذا التطور في الوجود الإنساني لا يمكن ان يؤدي مهمة البناء للحياة ولا المجتمعات البشرية من دون التعارف في ما بينها، فالتعارف هو الأساس وهو القاعدة التي ترسخ الإستقرار و تصنع التقدم في الحياة الإنسانية من العائلة الصغيرة الى العائلة الكونية .
واردف...ان هذا التعارف والتكامل هو ميدان امتحان البشرية افرادا ومجتمعات على اختلافها على قاعدة المعرفة الحقة الايمانية ومن دونها الاختلاف والضياع والدمار . لقد مرت البشرية بتاريخها بأطوار متعددة وتجارب مفجعة وامتحانات عسيرة اسقطتها في هذا الامتحان والابتلاء الإلهي حينما لم تؤسس علاقاتها البينية على أساس من الايمان بالله تعالى، فكان الطمع والجشع والاستئثار والانانية وحب الذات والغلبة والطغيان هو المحرك والقاعدة التي تستند اليها، ولم يكن في هذا التاريخ المظلم سوى ومضات من النور الإلهي استطاع خرق هذا الواقع السوداوي لفترات قصيرة، كانت الإرادة الاهية تتدخل فيها رحمة بالخلق حين يهدد وجودها هذا الفساد الذي استشرى حتى كان ان يفسد كل شيء. تتدخل الرحمة الإلهية عن طريق بعث الرسل والانبياء والمبشرين والمنذرين يصوبون المسار الإنساني ويعطون للناس المثل الأعلى في السلوك القائم على الاخلاق والقيم الإلهية، قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. فالحياة لا تستقر الا بالعدل والعدل لا يتحقق الا بما جاءت به الرسالات والنبوات من تعاليم وارشادات الهية ، وانها ومضات الهية سطعت في ظلمة الليل البهيم الذي لم يكن الهدف منه سوى القاء الحجة على الناس سرعان ما ركب المنحرفون موجها وانقلبوا عليها.
وقال العلامة الخطيب: ان سيرة عالمنا المعاصر ليست الا امتداداً للتجارب الإنسانية واستمراراً لمسيرة الانسان المؤمنة من الظلم والجور والضلال والجهل وسفك الدماء الحرام في حروب لا تهدأ، كانت القيم الإنسانية والتعاليم الإلهية هي الضحية، والناس هم وقود هذه الحروب لصالح الاطماع الشريرة والقيم الشيطانية الخبيثة، وما تعاني منه البشرية اليوم من صراعات وحروب ومآزق اقتصادية الا نتيجة انعدام القيم الأخلاقية التي دفعت الدول الكبرى والمتجبرة في هذا العالم الى توسل كل الطرق للاستقواء والنفوذ والاستيلاء على ثروات الشعوب وخيراتها رافعة شعارات حقوق الانسان وغيرها من الشعارات البراقة باسم الإنسانية زوراً وكذباً توسلا لتحقيق غاياتها الخبيثة وتجهيلاً للشعوب واستغباءً لها.اننا نعيش اليوم نموذجاً من الفرعونية الطاغية قولا وفعلا " انا ربكم الأعلى"، ان فرعون الجديد استكبر في الأرض واتخذ أهلها شيعا، ونحن على يقين ان الله سبحانه وتعالى الذي وعدنا ان مصير كل طغيان وبغي الى زوال وافول، وان لكل فرعون موسى، نسمع ونرى ونقرأ في كتاب الله يحدثنا عن قوم موسى حين لحق بهم فرعون وجنوده، فقالوا: انا مغرقون فقال موسى: كلا ، ان معي ربي سيهدين، ان عصا موسى لم تنكسر وهي باقية بمعناها، وهي وسيلة النصر التي يؤيد الله سبحانه وتعالى عباده الصالحين يضربون بها البحر لينجيهم ويغرقون فرعون هذا العصر في يم جديد.
واكد سماحته ان قدرنا اليوم ان نحمل قيم الخير التي بشرت بها النبوات، والتي عبّرت عنها بأفضل صيغتها رسالة الإسلام من خلال رسول الله محمد(ص)، وواجبنا ان نحميها ونطبقها في حياتنا الشخصية على الأقل، وفي اسرنا ومع زوجاتنا وجيراننا ومع من نعيش من مواطنينا الى أي فئة انتموا، فنكون قد ادينا ما علينا من واجب، وبذلك نستحق ان نفوز بالكرامة عند الله تعالى، وحققنا الهدف من الخلق مصداقاً لقوله تعالى: ان اكرمكم عند الله اتقاكم.
وتحدث سماحته عن فضائل شهر شعبان المعظم الذي دخلنا فيه، مما يحتم ان نعمل على تزكية نفوسنا ونجهد في عبادتنا وطاعتنا لله تعالى، فهذا الشهر مبارك عند الله تزيد بركاته المناسبات المهمة التي يتضاعف فيها ثواب الطاعة والعبادة والصدقة ووجوه البر عند الله تعالى، وإذ ابارك للمؤمنين ذكرى ولادة الامام الحسين وكل الولادات المباركة للائمة (ع)، فاني اسأل الله ان يعيد هذه المناسبات ونحن وامتنا في خير وعافية وفي سلامة من ديننا ودنيانا، فلنستغل هذه الفرص الثمينة بالدعاء ولنستشفع بمحمد واله الطاهرين في ان يمن علينا بالامن والسلامة.
دعا سماحته اللبنانيين الى اجتياز الازمات بالصبر و التعاون مع الحكومة اللبنانية في إجراءاتها والامتثال الى قراراتها في مكافحتها لانتشار فيروس الكورونا، ولاسيما ان حفظ الانفس واجب وتعريضها للاذى والخطر حرام، وعلينا بالتعاضد والتعاون والتكافل اكثر من أي أي وقت مضى، ومد يد العون الى إخواننا الذين ضاقت بهم السبل بسبب الأوضاع الراهنة، ونحن اذ نقدر جهود الحكومة التي تعمل بكل امكانياتها وبأقصى قدراتها للحد من انتشار الفيروس، وهي مطالبة بشدة ان تعزز حالة التعبئة العامة وتشديد العزل المنزلي من خلال الإسراع بايصال المساعدات الى مستحقيها في كل المناطق دون استثناء، ونكرر دعوة الميسورين الى مساعدة إخوانهم المحتاجين، وهذا وقت الامتحان في المسارعة في تقديم البر والخير والعون، فلا نضيع هذه الفرصة في مساعدة المحتاجين من أهلنا واخواننا، على ما في ذلك من منافع في تقوية الاخوة بيننا، ونوجه الشكر والتقدير على المبادرات الفردية التي تعمل على انتاج الأجهزة التي تساعد في مواجهة الفيروس، ونقدم الشكر الخالص للمبادرة المشتركة بين الجامعة الإسلامية في لبنان وللجامعة اللبنانية في صناعة جهاز التنفس، ونأمل ان يكون هذا البلاء دافعاً لتعزيز هذه المبادرات ولتشجيع الصناعة الوطنية والإنتاج المحلي الذي ينعش الاقتصاد الوطني وان يكون محلاً لرعاية الدولة وان يؤخذ هذا الدعم في خطة الحكومة الاقتصادية في دعم الصناعة اللبنانية، كما ونطالبها باتخاذ خطوات عملية وسريعة لاعادة اللبنانيين الراغبين بالعودة الى وطنهم بعد اخضاعهم للفحوصات المطلوبة، وعلى الجميع ان يستشعروا الاخطار التي تهدد سلامتهم فلا يخرجوا من منازلهم ويتبعوا توجيهات وارشادات وزارة الصحة والجهات الطبية المختصة التي تبذل جهودا كبيرة نشكرها عليها اذ استطاعت ان تتعامل بكفاءة عالية مع الفيروس المستجد.
واكد سماحته ان المواطنين المنهكين من تردي الأوضاع المعيشية وإجراءات المصارف التعسفية و ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، ينتظرون من حكومتهم اطلاق خطتها الاقتصادية الانقاذية التي تعيد المال العام المنهوب و تفرج عن مدخرات المودعين في المصارف وتعزز قيمة النقد الوطني.
وختم سماحته بالدعاء فقال: اللهم نسألك وندعوك بأحب الخلق اليك سيدنا محمد واله الطاهرين وجميع انبيائك ورسلك ان ترفع عنا وعن أهلنا وجميع المؤمنين والمؤمنات هذا البلاء وتوفقنا لاداء الواجبات وترك المعاصي والذنوب وان نعود اليك، اللهم اهلك المفسدين والظالمين، اعدائك أعداء الإنسانية اجمعين، اللهم ثبتنا على دينك ما احييتنا ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب، وارحم امواتنا واموات المؤمنين وشهداءنا، واشف جرحانا ومرضانا واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وشر كل طارق في الليل والنهار، وصل اللهم على محمد واله الاطهار.

   

اخر الاخبار