Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


العلامة ياسين في خطبة الجمعة: قتلوا حجاج بيت الله نتيجة الجهل والاستفراد بقرار شؤون الحجيج


:: 2015-09-26 [00:20]::

ام رئيس لقاء علماء صور للارشاد والتوجيه العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:
" قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ "
الأعراب : جمع أعرابي ، وهو الذي يعيش متنقلاً في البادية سواء كان عربياً أو غير عربي ، فهو معروف بالخشونة والقساوة وله طبعٌ خاص ، لابتعاده عن الحياة المدنية والمجتمعات الكبيرة ، فهم بدوٌ ورحّل يسيطر عليهم الجهل والعادات ومعروفون بالقساوة ، وفي الحديث : أنه وفد جماعة من البدو على النبي (ص) فسألهم : هل تقبّلون أولادكم ؟ فقالوا : لا . فقال : إنّكم قساة القلب . إذن فلا مجال لهم للتفقه والتعلّم ، لذا لا يترسّخ الإيمان عندهم ولا يتفقّهون في دينهم ، فلا يكون عندهم التزام تام بتعاليم الإسلام ؛ فيبقى إيمانهم ناقصاً ، ولكنّهم ينطقون بالشهادتين ، وقد يصلّون ويصومون بدون تفقّه ، وفي الحديث النبوي الشريف : تفقّهوا في الدين ولا تكونوا أعراباً . فمن نطق بالشهادتين معتقداً أن الله واحدٌ لا شريك له ، وأن محمداً رسول الله هو مسلم يحرم ماله ودمه وعرضه ، فإذا التزم بحلال رسول الله (ص) وحرامه وتخلّق بأخلاق الإسلام المحمدي الأصيل فكان من عباد الله الصالحين ، صار مؤمناً ، فادعاء الإسلام أمرٌ سهلٌ ، فادعاء الإيمان لا يمكن أن يكون صحيحاً إلاّ إذا غلب الإنسان نفسه وتفقّه بدينه وتأسّى بالنبي (ص) وبأهل البيت (ع) وأصلح سريرته ، فكانت سريرته كعلانيته .
فمن نطق بالشهادتين ؛ فهو من جماعة المسلمين ، لكن الإيمان أمرٌ واقعي وباطني ، مركزه قلب الإنسان ، ويدل عليه عمله وقوله ، لا ما يجري على اللسان ، في الحديث : الإيمان اعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وقول باللسان . معناه أن يعتقد الإنسان الحق وينطق بالحق ويعمل بالحق ، وهو ما جاء به رسول الله (ص) ونقله ومارسه أهل البيت (ع) .
من صفات المؤمن : ما قاله أمير المؤمنين (ع) : وقال عليه السلام في صفة المؤمن: الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، َحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ، طَوِيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مشْغولٌ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ، مغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ.
المؤمنون هم عباد الله وليسوا عبيد الدنيا وقد تحدّث القرآن كثيراً عن المؤمنين وعن عباد الرحمن " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " .
وقد يشهد الإنسان الشهادتين ويصلي ويصوم ويحج ؛ لكنّه في نفس الوقت يتبختر في مشيه ويتكبّر ويتخلّق بالأخلاق السيئة ، أما المؤمن فمشيه التواضع والهدوء واللين ، لا يسرف في ماله ولا يضيّع وقته ، فلا يتجاوز الحد .
أول صفات عباد الرحمن : التواضع ونفي التكبّر ، لأنّ التواضع مفتاح الإيمان ، كما أنّ التكبّر مفتاح الكفر ، قال تعالى " وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً " في الحديث : أنّ النبي (ص) مرّ في طريق فرأى مجنوناً قد اجتمع الناس حوله ينظرون إليه ، فقال (ص): علامَ اجتمع هؤلاء ؟ فقالوا : على مجنون يصرع ، فنظر إليهم النبي (ص) وقال : ما هذا بمجنون ؛ ألا أخبركم بالمجنون حقّ الجنون ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، فقال : إنّ المجنون المتبختر في مشيِهِ ، الناظر إلى عطفيهِ ، المحرّك جنبيه بمنكبيه ، فذلك المجنون وهذا المبتلى .
وثاني صفات المؤمن : الحلم وسعة الصدر والصبر ورد الإساءة بالإحسان : " وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً " وفي السيرة : رُوِيَ أَنَّ أمير المؤمنين (ع) كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ إِذْ مَرَّتْ فَمَرَّتْ بِهِمُ اِمْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا اَلْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ (ع) إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ اَلْفُحُولِ طَوَامِحُ وَ إِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى اِمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ اِمْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْخَوَارِجِ قَاتَلَهُ اَللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ قَالَ فَوَثَبَ اَلْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ (ع) رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ .
وهذا سلمان المحمدي كان والياً على المدائن ، وكان يسير في السوق ، فقال أحدهم له : لحيةٌ كذنب الكلب . فلم يجبه سلمان المحمدي . لكنّ الرجل حينما عرف أنه الوالي جاءه معتذراً ، فقال له سلمان : يا هذا إن عبرت هذه اللحية الصراط فليست كما تقول وإن لم تعبر الصراط فذنب الكلب خيرٌ منها .
وكذلك مالك الأشتر قائد جيش أمير المؤمنين (ع) : أنه في إحدى المرات لما مر بمثل تلك الملابس ظن أحد البائعين في السوق أنه من المتسولين و عامله بفظاظة. و حتى حسب بعض الروايات فإنه قد رماه بالحجارة أو بنواة تمر. لكن مالك تابع المشي و ابتعد عنه كأن شيئاُ لم يكن. لما لفت الآخرون نظر البائع الذي فعل ذلك بأن من فعل به ذلك كان مالك الأشتر هرول مسرعاً وراءه ليعتذر منه. دخل وراءه في المسجد و انتظره حتى انتهى من صلاته ثم أقبل عليه معتذراً. مالك هون عليه الأمر و قال له: لا عليك يا أخي، و الله ما دخلت المسجد إلا لكي أصلي و أستغفر لك.
ومن صفات المؤمنين عباد الرحمن : قيام الليل ، قال تعالى " وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا " . إنهم - والناس ينامون - في ظلمة الليل يهجرون الفراش ، يذكرون ظلمة القبر ، وظلمة جهنّم ؛ فيهجرون مضاجعهم ليسجدوا لله ويقومون فيحيون الليل بالعبادة ، متوسلين بالله سبحانه أن لا يعذّبهم بالنار ، قال تعالى " إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " مقر الكفار الدائم ومقام مؤقت لبعض المؤمنين ، فالنار مستقر ومقام دائم للكفار ، كما أن الجنة مقر ومقام دائم للمؤمنين ، قال تعالى " خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " .
ومن صفات عباد الرحمن : حسن التدبير في المصرف ، يضع الشيء في مكانه ، لا يُبذّر المال ولا يمسكه عن أهله وعياله وعن نفسه ، مع حاجتهم إليه ، وينفقه في سبيل الله . قال تعالى " وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا " إنّ المؤمن يعيش الوسطية في الانفاق ، قال تعالى " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " كل ذلك ثقة بالله سبحانه .
فالمؤمنون يدعون الله ولا يدعون غيره ، يحفظون حرمة الإنسان ولا يقتلونه ولا يغتابونه ، نفسهم عفيفة ، لا يتجرّؤون على الزنا واتهام الناس ، قال تعالى " وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا " .
في الحديث عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله (ص) : أيّ الذنب أعظم ؟ قال (ص) : أن تجعل لله نداّ وهو خلقك . قلت : ثم أي ؟ قال (ص) : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك . قلت : ثم أي ؟ قال (ص) : أن تزاني حليلة جارك . وهذه صفات يبتعد عنها المؤمن ولا يمكن أن يتصف بها ، وإن حصلت منه خطيئة وصدر عنه ذنب ؛ فإنّه يبادر بالتوبة ؛ فينجو من عذاب النار ، قال تعالى " إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً " فالإنسان حينما يتوب تتبدّل نفسيته ، وتحصل تحولات عميقة في داخله ، يحصل عنده انقلاب داخلي ، فيمتلئ قلبه خوفاً وخشوعاً وطهارة وإخلاصاً ، فكما تبدّل في داخله فإنّ الله يبدل سيئاته حسنات ، وذلك لطف من الله بعبده.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَيَخْبَأُ عَنْهُ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ -[147]-: وَهُوَ مُقِرٌّ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجِيءَ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا قَالَ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ لِي ذَنُوبًا مَا رَأَيْتُهَا هَاهُنَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . إنّ الله واسع المغفرة رؤوف بالعباد شرط التوبة والإيمان والعمل الصالح : إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَ?ئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً " .
الرحمة لحجاج بيت الله الحرام ، الذين ارتفعت أرواحهم للباري عز وجل وهم محرمون ، فإنهم يقبلون على ربٍ كريم ، فهنيئاً لهم جوار الله ، لكن تبقى المسؤولية على المنظمين الذين لا يؤمّنون الحماية التامة والتنظيم الصحيح لمسيرة الحجاج ، وإن كان هناك إهمال ؛ يكون الأمر بحكم قتل العمد ، فكيف سيكون موقف المسؤولين عن الحجيج بين يدي الله ، وقد قتلوا حجاج بيته نتيجة الجهل والاستفراد بقرار شؤون الحجيج ، الذين يفترض أن يشارك في تأمين خدمات الحجاج كلُّ المسلمين ، لأنّ مكة المكرمة ليست لجهةٍ معيّنة ، قال تعالى " سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ " .
وآخر دعوانا أن صلّ اللهم على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .