Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


غازي قهوجي السينوغرافي المترع بزرقة البحر.. مسكون بالهدير


كامل جابر :: 2015-10-05 [21:40]::
«السينوغراف» غازي قهوجي... وداعاً...
في حديث أجريته معه في العام 2009...
*************************


تتواعد وإياه في "سيتي كافيه" في بيروت، فتجده في بيت الدين، قبل يوم من إطلالة أخرى على صور، إذ لا يستقيم لواء المهرجانات من غير لمسات غازي قهوجي؛ بعد أن غدت المسارح والمهرجانات، محلياً وعربياً وعالمياً، واسم "القهوجي" صنوان.
إن اللغز المثير للجدل، في حياة غازي قهوجي، هو كيف يستطيع هذا الرجل أن يجد متسعاً من الوقت لكل ما يقوم به، فلا يكاد يُذكر مهرجان في لبنان، من بعلبك إلى بيروت، فبيت الدين وصيدا وصور؛ أو في العالم العربي من معرض دمشق الدولي، وبُصرى، إلى جرش وقرطاج، وبغداد والإسماعيلية والرباط والجنادرية في السعودية؛ ومهرجانات أسبانيا والنمسا وقبرص وبلغاريا؛ ومسارح واستديوهات: لبنان، بريطانيا، الولايات المتحدة الاميركية، رومانيا، اليونان، فرنسا، نيجيريا، كندا، استراليا، مكدونيا، واليابان؛ الكويت، الرياض، ليبيا، مصر، عمان، ساحل العاج، قطر، الشارقة، عجمان، الاردن، ايران، ودبي؛ إلا وكان غازي قهوجي، إما مديراً أو منظماً أو مصمماً أو مهندساً.
تفتح الراديو (الإذاعة اللبنانية وصوت الشعب) فتسمع نقداً أو خاطرة تهكمية بصوته. وتقلب صفحات بعض الصحف فتجد مقالة ممهورة باسمه. ثم أنه لا يهدأ من جامعة إلى أخرى، مدرساً لمادة فن الديكور والتصميم المشهدي، والمشرف على أطروحات الاعلام المرئي وفن السينوغرافيا وتاريخ الازياء في الجامعة اللبنانية؛ وأستاذ التصميم المشهدي وهندسة الديكور والسينوغرافيا المسرحية والسينمائية والتلفزيونية وتاريخ الازياء في الجامعة اليسوعية.
في مدينة صور الجنوبية الساحلية، ولد عام 1945، لذلك هو أشد غراماً بالبحر الذي "خلقت، ربما، في مائه. نحن أولاد الساحل كالسلاحف، تفقسنا أمهاتنا ونتوجه بالفطرة نحو المياه لنقتحمها بجرأة". لم يعلمه أحد السباحة، هو سباح ماهر شارك في العديد من السباقات؛ وهو مولع بالصيد البحري و"لي عدة صيد في كل بلد أذهب إليه؛ وأكره صيد الطيور؛ قلت مرة لمنصور الرحباني: مرق عندك بالشعر يا منصور، في عدة قصائد نحو مئة مرة كلمة عصفور، ومرة بمعنى الطير وأخرى الريش وثالثة الطيران؛ وعلى وجبة مائدة واحدة، أمامي أنا، أكلت مئة عصفور؛ يعني كل العصافير التي كتب عنها؛ كتبت وقتها وقلت هذا الشاعر الذي أكل دواوينه".
من خلال هذا المدى الذي أسمه البحر، كوّن الرؤى الخاصة به، بعد أن ترعرع بينه وبين آثار مدينة صور، يلهو وأترابه على أطلال الحقبات التاريخية، بين الفينيقية واليونانية والرومانية والبيزنطية "وكنا أحياناً نتراشق بالأصداف التي يرميها البحر، ونحن لا ندرك أنها أصداف الموركس، روعة الصباغ الأرجواني". وهو يوقن أن الزمن الذي كان العالم كله جغرافيا، كانت صُوْر وحدها التاريخ. وهي بالنسبة إليه ليست حدوداً جغرافية، برغم صغر مساحتها، إنما هي الناس والصيادون والحرفيون وكل ما تحتويه من أطياف دينية ومذهبية تشكل نموذجاً لبنانياً فريداً "وكأنها من دون أن ندري، اختزلت الصيغة اللبنانية".
نشأ "القهوجي" في بيئة قومية عربية، وفي بيت يمتلك مكتبة ضخمة، صاحبها الوالد، شاعر تهكمي، "ومثل والدي كانت والدتي، من أوائل المتعلمات في صور"؛ وكان يخرج ورفاقه من ملاعب الكلية الجعفرية إلى التظاهرات ذات البعد القومي العربي، من أجل العروبة وفلسطين، خصوصاً أن تلامذة الكلية، الثانوية الوحيدة في الجنوب، من مختلف مناطق جبل عامل، ومن أبناء الفلسطينيين الذين قدموا إلى المدينة مع نزوح العام 1948 وحطوا رحالهم فيها، من خلال عدة مخيمات.
عن علاقته بمسقطه يقول: "أنا من الناس الذين لم يزل هدير البحر يدوي في آذانهم حتى اللحظة. ولم أزل أرتبط بمدينتي روحياً وعضوياً، مع أنني بت أفتقد الرمل فيها، الذي كان يميز شاطئها الممتد من أول المدينة حتى رأس الناقورة، آخر الحدود اللبنانية؛ وكان من أصفى الرمول، لكن الأبنية العشوائية احتلته بعدما عمت الفوضى ايام الحرب اللبنانية. سألوني مرة عن الإكثار في استخدام اللون الأزرق في عملي، قلت أحمله معي وكأنني أحمل مدينتي، هذا الماء وهذه السماء. أنا لا أنسى بساتين صور التي أخذت القسم الأكبر من طفولتنا ونشكل إليها رحلات مدرسية دائمة".
من الكلية الجعفرية في مدينة صور التي تركت أثرها البالغ على تكوينه المعرفي والفني، ينتقل إلى مقاصد صيدا عام 1961، ثم إلى الجامعة اللبنانية في بيروت ليدرس العلوم السياسية والإدارية، وينطلق في العام 1966 نحو صوفيا، عاصمة بلغاريا؛ ليمضي سبع سنوات متخصصاً بالسينوغرافيا، في كل ما يتعلق بالسينما والتلفزيون والمسرح.
عندما عاد فتح له الحظ بابه على مصراعيه، يقول: "كنت من المحظوظين، لأن بداياتي كانت مع الرحابنة وفيروز، لم أصعد السلم درجة درجة، بل بدأت من القمة". أما لماذا الرحابنة؟ فلأنه عاد بتخصص جديد غريب عن لبنان ومسارحه، "السينوغرافيا"؛ كتب عنه الأديب الراحل عصام محفوظ (1939- 2006) مقالة في إحدى الصحف المحلية أواخر سنة 1972، استرعت انتباه منصور الرحباني، فأرسل في طلبه، وكانت الجلسة الأولى كفيلة في استمرار التعاون 22 عاماً، انطلاقاً من مسرحية "لولو" أواخر عام 1972؛ ثم تباعاً في مسرحيات "المحطة" 1973، "ميس الريم" 1974، "بترا" 1977، "المؤامرة مستمرة" 1980، "الربيع السابع" 1982، وإعادة لمسرحية الشخص في الأردن، فضلاً عن مجمل الأعمال الغنائية والاسكتشات المتنقلة، لا سيما في معرض دمشق الدولي؛ "إنني أعترف بفضل هذين الأخوين الرحبانيين عليّ أنا شخصياً، وأشهد أنني تعلمت منهما أكثر بكثير مما تعلمته في الجامعة، وأنا أعني ما اقول؛ هم لم يتقصدوا بعلاقتهم معي تعليمي، لكن من وسع صدريهما للحوار والنقاش والتأويلات والقراءات؛ وقد قال الرحابنة أكثر من مرة: غازي قهوجي أحدث نقلة نوعية بالمسرح".
هذه العلاقة والشهرة، فتحت له الباب للعمل كذلك مع زياد الرحباني في جملة من مسرحياته "نزل السرور" 1974، "بالنسبة لبكرا شو" 1978، "فيلم أميركي طويل" 1980. فضلاً عن مسرحيات نبيه أبو الحسن "أخوت شاناي" وجملة من أعمال يعقوب الشدراوي وروجيه عساف وعبد الحليم كركلا وفهد العبدالله التي كان أحد مؤسسيها، وجواد الأسدي وفايق حميصي ونجدت أنزور وغيرهم. إلى عشرات المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية (ناجي العلي لعاطف الطيب ونور الشريف والتقرير لدريد لحام ورغدة).
ارتباطه بهذا الاختصاص يعود إلى سببين، أولهما امتلاكه منذ الصغر موهبة الرسم وثانيهما حبه للغة العربية والكتابة والقراءة؛ وعندما مزج بشكل لا إرادي بين هاتين الناحيتين، وتبين أن هذا هو طريقه، توجه نحو الاختصاص في كلية الفنون وكان أول اختصاصي في لبنان بهذا المجال؛ "عدت وقتها ولم يعرفوا هنا كيف يترجمون كلمة سينوغرافيا إلى اللغة العربية، اقترحت عبارة التخطيط المشهدي، أو كذا وكذا، ثم أبقينا أخيراً على كلمة سينوغرافيا ودخلت إلى اللغة وصارت الناس تسميها باسمها".
يجد أن ثمة فرق بين صور الولادة والمنشأ وبيروت العمل والشهرة، إذ لا بحر كبحر صور، بحرها وسماؤها هما الناس؛ "أما بيروت، فلها فضل على الكلّ، لقد أفردت لي مقعداً وانطلقت عملياً منها؛ ومن ساهم في نهضة لبنان، كل من انطلق من بيروت، من هذه التعددية التي أتت من هنا وهناك، من الجنوب والشمال والبقاع وبعلبك والشوف وغيرها، حتى من العالم العربي. قيل دائماً: لا يمكن أن تنجح بعمل ما، روائياً أو مسرحياً أو أدبياً أو فنياً، إن لم تعبر في بيروت؛ بيروت هي التي تمنح شهادة حسن السلوك وبراءة الذمة، على الجودة طبعاً".
يتذكر أنه كان من الناشطين في الخطابة والمسرح أيام "التلمذة" في صور، وحمل الكثير من هذا الارتباط بالفن، إلى الاختصاص، وعندما انتهى بامتياز، عرض عليه العمل هناك، في صوفيا "فرفضت، أريد أن أعود إلى هنا، إلى بلدي". ويعتبر أن الاختصاص الأول (العلوم السياسية والإدارية) افاده في دراسته الثانية، لا سيما في النواحي التاريخية، إذ درس التاريخ الديبلوماسي والتاريخ العام، متيقناً أن الثقافات تلتقي في كثير من النقاط.
كتب في ريعان الشباب، في ملحق النهار يوم كان أنسي الحاج مسؤولاً عنه؛ لكن الذي دفعه للكتابة بشكل دوري، هو صديقه رياض نجيب الريّس، يوم أصدر مجلة النقاد، طلب إليه أن يكتب مقالات ساخرة وتهكمية وناقدة، ثم شجعه بعدها على نشر مقالاته كلها في كتاب، فكانت كتابه الأول "قهوجيات؛ أركيلة الحلم العربي" عام 2003؛ ثم "قهوجيات 2، ما هبّ ودبّ" عام 2005؛ وأخيراً "قهوجيات 3، عرب الصابون" عام 2007.
أما من أين له موهبة الكتابة والتهكم والأسلوب الساخر؟ فيعتقد أن الجزء الأكبر ورثه "عن الوالد الذي كان شاعراً تهكمياً، لم يكتب إلا هذه الأمور خالطاً العامي بالفصحى ليزيد من منسوب التهكم، لذلك كان يلقبه أبناء مدينته، الأستاذ، برغم أنه لم يكن معلم مدرسة؛ وبالتالي لا أنكر أن صلتي ومعايشتي للرحبانيين أثرت فيّ؛ فضلاً عن كون طبعي هكذا، والكتابة عندي موقف ورأي، وأحافظ دائماً على أن يصل موقفي للآخر عبر بسمة وليس من خلال دمعة. أنا عاشق للغة العربية وأسير لها؛ سُئلت مرة: بما أنك تشتغل بالمسرح والسينما والتلفزيون، فلماذا تكتب؟ أنا أكتب في الأسبوع مرتين، كل سبت في الصفحة الأخيرة، من "الأسبوع العربي"، منذ سبع سنوات ولم أنقطع مرة واحدة. وكل خميس في "القبس" الكويتية؛ قلت: أنا أكتب لأصبح قارئاً جيداً. أنا نهم في القراءة. لم يمر يوم لم أقرأ فيه، حتى خلال أسفاري. لا أستطيع أن أنام إذا لم أقرأ".
تواريخ
• 1945 الولادة في مدينة صور (جنوب لبنان).
• 1972 يعود من صوفيا، متخصصاً في فن ديكور السينوغرافيا وعلم البصريات الفنية. ويعمل مباشرة مع الأخوين رحباني من خلال مسرحية "المحطة" ويستمر معهما 22 عاماً متواصلة.
• 1974 يعمل مع زياد الرحباني في مسرحية "نزل السرور" ثم "بالنسبة لبكرا شو" 1978؛ "فيلم أميركي طويل" 1980.
• 1995 يساهم في تأسيس "اللجنة اللبنانية لمهرجانات صور والجنوب" ويتولى الإدارة الفنية للمهرجانات.
• 2003 يصدر كتابه الأول "قهوجيات، أركيلة الحلم العربي"؛ ويتبعه بعد سنتين بـ"قهوجيات2، من هبّ ودبّ"؛ ثم "قهوجيات3، عرب الصابون" 2007. (دار رياض نجيب الريّس).
• 2004 يقلده رئيس الجمهورية وسام الاستحقاق اللبناني الوطني.
• 2009 جهزّ عملاً ضخماً عن المناضل الشهيد الشيخ احمد ياسين؛ وأشرف على مهرجانات صور وبيت الدين. ويواصل عمله للسنة السادسة على التوالي مديراً فنياً ومصمماً للديكور والأزياء مع الفريق الياباني NPO KOMA.