Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


تلكَ... تجاعيدي الصغيرة!


بقلم فتون نعمة :: 2016-03-30 [00:05]::


أنا ومرآتي وجهاً لوجه، رميْتُ شعري إلى الخلف، ونظرْتُ إليها جيّداً... مررتُ بيدي فوق هذه التجاعيد التي برزَتْ أمامي، وهي تحاول مقاطعة ذاكَ الطَّيف الّذي مرَّ بخاطري.

ما لتلكَ الذِّكريات تطرقُ بابَ أفكاري؟ يومَ كُنَّا صغارًا، نضيف سنواتٍ إلى عمرنا لنكبرَ على عجلةٍ، وحينما كبرْنا، أصبحَ للسنواتِ معانٍ أخرى، واضحى للزمن قيمة تُحتَسَبْ بما يحياهُ الإنسانُ، وبما يحققه في حياته من نجاحاتٍ ومن خساراتٍ أيضا..

كلَّما خطَّ تعب العمر درباً فوقَ ثنايا جلدنا، كلَّما كَبُرَتِ الأسئلة، وكَبُرَتِ الهواجس والأحلام! وكلَّما كسبنا القليل وفقدنا الكثير، كلما أصبحنا أكثر وحدة وعزلة وصمتًا.

هل نستطيع أن نتناساه، أو نهرب منه ، ونحنُ نسعى إلى إخفاء كل آثار الزمن في وجوهنا وقلوبنا وأحلامنا المنهكة؟
أبداً لن نستطيع! لا الزمن يتوقف، ولا العمر يخفف من ركضه، ولا الساعة تتعب يوما فتوقف عقاربها لترتاح الشهور والأيام.

بدأتُ ألملمُ ما خُطَّ بينَ زواريبها الضَّيّقة وهي تخبرني بأنَّ الإنسان عندما يحبُّ عليه أن يخلص في حبِّه.. ولكنْ عندما يكرَه عليه ألاَّ يَكره بكلِّ قلبه، بل عليه أن يجعلَ للحبِّ مَوضعاً. فكم من عدوٍّ انقلبَ حبيبًا! وكم من حبيبٍ انقلب عدوًّا.
وأخبرتني أن القلوبَ قد تتغيرُ مع مرور الزمن إلاَّ قلب الحسود فإنه ثابتٌ على البغض والحقد، لا تغيره الأيام، ولا السنون ولا الأعوام!

وأن النجاح في الحياة لا ينتهي، فكلُّ نجاحٍ بعدَهُ نجاح، وغالباً ما تكون شروطُ النجاح الثاني أصعبَ مِن الأوَّل، فلا راحةَ للإنسان إلاَّ بملاقاة الديَّان.

وأنَّ الابتسامة تزيل بُغضَ القلوب، وألاَّ أغترَّ بضحك كثيرٍ من الناس في وجهي، فكم من إنسان ضحك لي، وأنا أرى في ضحكهِ المكرَ والخداع.

وأنّ المؤمنَ لا يُلدغ من جُحرٍ مرتَين، ولكن أليس من الأَولى ألا يلدغَ على الإطلاق! فكم من إنسانٍ لُدغَ من جحر مرة، ثم لدغ بعد هُنيهة من الجُحر ذاته.

قالت لي:" يا ابنتي، أنَّ العاقل يستفيد من أخطاء الآخرين، فنظرتكِ إليهم عِبرة، وما يحدثُ معكِ يكون لكِ عِظةً، فأخطاءُ الآخرينَ حُفرٌ في طريق الحياة، علِمنا مكانَها، ورأينا مَن وقع فيها أمامَنا، فحريٌّ بنا أن نَحيد عنها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

هيَ الأيامَ تسير بنا إلى المجهول، وأنها مطايا توصلنا إلى أقدار الله تعالى، وأنَّ الأيام لا تتشابَهُ إلا بالمسمَّى، فمِن المُحال أن يمر عليك يوم في المستقبل مثل اليوم الذي تعيش فيه.

وأن الإنسانَ الذي لا يُرتجى منه العطاءُ وُجودُه مثلُ عدَمهِ، بل ربَّما كان عدمُه خيراً من وجوده، لأنه بوجوده أخذ حيزاً ضِمن الموجودات، وما هو في الحقيقة إلا عدم!!

وأنّ على الإنسان أن يخالطَ جميعَ أصنافِ البشر، ويأخذَ منهم الدروس والعِبر، فكثيرٌ من الناس يأتي إلى الحياةِ ويذهب منها وهو لم يتعرف إلى حقيقةِ كثيرٍ من الناس.

ارتجفتُ.. ليس خوفا ولا تذمرا بل احتراما لعمري الذي تحرش بوجهي وأخبره في صمت بأنَّ
هناك من يكبر عقله بكبر عمره وجسده، وهناك من لا يتغير شيء في حياته سوى أرقام تتجدد دون أن يحصل تغيير في وضعه، وهناك من يسقط ضحية لرتابة الحياة فلا ينتبه إلى مضيها إلا وخيوط بيضاء تزين رأسه..

لكل منا عمره، وكم تحمل كلمة العمر من تجارب وأحلام وأسفار ولقاءات وفقدان، كم تحمل من أفراح وجراح، كم تحمل من دمع وأسى... كم تحمل من الحب!!

هي لحظة أغمضْتُ فيها عينيَّ لأرى الحياة من حولي، علَّني أكتشف ألوانًا جديدة لم يسبق لي أن رأيتها۔

حقاً، أنا أحبُّ تلك التجاعيد الصغيرة، التي تخبرني عن دروب عمري، وتروق لي محطات الإستراحة فيها !!!