Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


" رحيل الأستاذ الكريم مُحَمَّد أبو صالح"


بقلم مهى محمد جعفر :: 2016-04-11 [01:21]::



استيقظت ، في صدري حشرجة، ورأسي يدور بثقل. لستُ من المتشائمين، لكنّني لم أشعر بخير، لا أملك حاسّة سادسة، إِلَّا أنّ شعوري لا يخيب في توقّعه. اتجهنا لنقضي يوم عطلتنا في الضّيعة، كالمعتاد، بي ضيقٌ لا أعرف سببه، كأنه نذير يريد أن يقول لي ستخسرين... لا أعرف ماذا أو من! لكن ستخسرين!

مررنا على طريق كفرا العام لسبب يتعلق بعمل، كلّما مررت مع زوجي أقول له :" هنا منزل أستاذ محمد أبو صالح والحجة دينا، عندهم ٣ صبيان توأم، علَّمت منهم اثنين". ويجيبني:" قلتيلي يا مرتي المرة الماضية!" ،فخورة جدًّا بمعرفتي لهذه العائلة الطيبة من أساسها (حاجة دينا)، إلى رأسها( أستاذ محمد)... وما بينهما (الأبناء الثلاثة).

وقبل أن أشير إلى المنزل- كواجب استذكار من نحب- استوقف كلامي مشهد السيارات المتجمعة، والسواد، والإسعاف. قلت:" هنا بيت..." لم أكمل ، خنقتني عبرة تلاحقني منذ الصباح، فقال زوجي:" أصحابك بيت أبو صالح، إن شالله خير، لنسأل لعلّ كبيرًا في السنّ قد فارق الحياة عندهم". لم أرد أن أصدق أنه عندهم، فتحت ربع شباك سيارتي بحذر، سألت:" من؟" ، لم أكمل، سمعت الجواب صادمًا ، مؤكَّدًا: "الأستاذ محمد أبو صالح توفّى، الله يخلِّي أحبابك مدام".

لكنّه ليس كبيرًا في السنّ، وليس مريضًا، ومنذ شهرين كنت في زيارة إرشاد في مدرسة رشكنانيه، وتحدثنا، وعملنا معًا، وتلك الابتسامة اللطيفة ترافقه، في وجنتيه صحّة الشباب، في جدّيته حكمة النضج، في لطافته وطيب كلامه أنس الأخ، لم يكن " قابلًا للموت آنذاك!" ، كان فرحًا بالتقاعد ليقضي المزيد من الوقت مع " الحجة دينا" كما قال لي، ولطالما تحدّث عنها بفخر، ولمعت عيناه ببريق حبّ وتقدير واعتزاز حين يذكر اسمها، أراد أن يربّي طفل علي، وأن يعيش بهدووووء... هذا ما قاله لي حين ودّعته بكلمة: " تقاعد مبارك، مع إنك خسارة تتقاعد!" ، وخرجت أفكّر، هل سأطيق العودة إلى المدرسة في الفصل الثاني، ووجه زميلي الذي أعرفه منذ ١٦ عامًا لا ينير هذه المدرسة!؟ لم أعلم أنَّك ستودّعنا طويلًا حينها، لكنني شعرت بهذا صباح اليوم الأحد، شعرت عميقًا بهذا الفقد الموجع. لعلّ الله كتب لي رؤية جنازتك، كي أودّعك، وكي أرى عِزَّك في موتك كما في حياتك، ومحبّة الناس لك. ظننتني أتفرّد بانبهاري بشخصك اللطيف الهادئ الجدّيّ المتّزن... لكن اكتشفت أنّ لي المئات من الشركاء، شركاء في تقدير واحترام ومحبة زميل عملٍ وصديقٍ يحمل للغير الصدق والعطاء وحسن النصح. بكيتك دموعًا صادقةً أيها الزميل العزيز، ورأيت الحياة تافهةً أمام كبر مقامك في موتك، وأمام سرعة رحيلك المفاجئ الصّادم، يا صديقي رحمك الله فأنت بين يدي من يحبّ عباده، كتب الله لك حياةً كريمةً وسمعةً طيبة، وموتًا كريمًا وحسن ذرّيّة وخاتمة. وأنت وإن تقاعدت من العمل، ومن الحياة، لن تتقاعد من وجداننا وذاكرتنا، ولَك بصمتك الخاصّة في مسيرة الحياة والتّربية، بصمةٌ تخلّد صاحبها، وتجعله فريدًا في حضوره وفي غيابه. أتوجَّه إليك حاجة دينا ولأبنائك الكرام بالعزاء، ولنا بآل بيت رسول الله أسوة حسنة، وَإنَّا لله وَإنَّا إليه راجعون.