بيان صادر عن قيادة حركة فتح في لبنان
تاريخ النشر : 15-11-2020
في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني في العام 1988 انعقدت قمة فلسطينية تاريخية في الجزائر، قادها المجلس الوطني الفلسطيني بحضور القيادات السياسية الفلسطينية، يتقدمها الرمز ياسر عرفات، وجورج حبش، ونايف حواتمة، وكانت يومها الانتفاضة الأولى، إنتفاضة الحجارة تدقُّ أبواب العالم منذرةً بتطورات على مستوى عالٍ من الاهتمام السياسي والوطني.
لقد ركزت هذه القمة الفلسطينية على قضايا جوهرية تتعلق بالمستقبل الفلسطيني، خاصة بعد الأزمات الداخلة التي عانت منها مخيمات لبنان إبتداء من الاجتياح الصهيوني، مروراً بالشرخ الداخلي بين الفضائل الفلسطينية. وقد نجحت هذه القمة الفلسطينية في مناقشة موضوعين أساسيين وهما، إعلان استقلال فلسطين، وقيام الدولة الفلسطينية على الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، كما أنَّ المجتمعين توافقوا على إعلان مبادرة سلام عُرفت فيما بعد "بمبادة السلام الفلسطينية".
القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة طالبت قيادة م.ت.ف بتطوير البرنامج المرحلي لمنطمة التحرير، وإطلاق مبادة سلام تتضمن الاعتراف بقراري 242و338 وبحق اسرائيل في الوجود، واستجابت لهده الرغبة فئة مهمة من القيادات الفلسطينية، كما برزت أيضاً شريحة من المعارضة.
بعد الحوارات المعمَّقة داخل المجلس الوطني تبلورت فكرة ربط مبادرة السلام والاعتراف بالقرارين 244و 338 بإعلان الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلةالعام 1967.
هذا الاقتراح الفلسطيني في المجلس برزت حوله اجتهادات. والقيادة الاردنية من جهتها كانت تراقب التطورات بإهتمام بالغ، خاصة أن الشعب الفلسطيني سعى إلى مزيد من التطلعات الكيانية الوطنية المستقلة ذات البعد القومي. وفي 31 تموز 1988 أعلن الملك حسين فك الارتباط الاردني بالضفة الغربية في خطاب متلفز، كما اكد وقوفه إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني بقيادة م.ت.ف.
المواقف الدولية تجاه هذه الخطوة الفلسطينية الطموحة كانت متباينة خاصة الدول ذات الوزن السياسي في التقرير. فالولايات المتحدة أظهرت استعدادها لتغيير الموقف المعادي لمنظمة التحرير إذا نفذت وعودها الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه رفضت ميدأ قيام الدولة الفلسطينية، لأن هذا يغضب الكيان الصهيوني، والاولوية دائماً لدى واشنطن هي تلبية طموحات الكيان الصهيوني.
أما الاتحاد السوفياتي فقد أبلغ الجانب الفلسطيني بأنَّه يتحفظ على إعلان المنظمة لقيام الدولة الفلسطينية في هذا الوقت، لأنها تعَقِّد عملية السلام، وطلب الروس من القيادة الفلسطينية عدمَ الإقدام على مغامرة تشكيل الحكومة الفلسطينية المؤقتة.
وبعد نقاشات مُعمَّقة ومطوَّلة داخل الإطار القيادي الفلسطيني، توافقت الفصائل الفلسطينية المنضوية في إطار م.ت.ف على فكرة إعلان الاستقلال، وقيام الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلة 1967. والرمز ياسر عرفات يومها أصرَّ على ما أجمعت عليه القيادة, ولم يأخذ بالنصائح الروسية لأنها غير منطقية, وهي تعطي للكيان الصهيوني ما يريد, وتحرم الجانب الفلسطيني من أبسط الحقوق.
وبعد حوارات موسَّعة ومسؤولة حول الاقتراحات المقدَّمة إلى المجلس الوطني في دورته التاسعة عشرة غير العادية, دورة الانتفاضة تقرَّر ما يلي :
1- تُشكَّل لدولة فلسطين حكومة مؤقتة في أقرب وقت ممكن وطبقاً للظروف وتطور الأهداف.
2- يفوِّض المجلس المركزي اللجنة التنفيذية بتحديد موعد تشكيل الحكومة المؤقتة, وتُكلّف اللجنة التنفيذية بتشكيلها, وتُعرض على المجلس المركزي لنيل ثقته...
3- يتم تشكيل الحكومة المؤقتة من القيادات والشخصيات والكفاءات الفلسطينية من داخل الوطن المحتل وخارجه, وعلى أساس التعددية السياسية, وبما يجسِّد الوحدة الوطنية
4- تحدد الحكومة المؤقتة برنامجها على قاعدة وثيقة الاستقلال والبرنامج السياسي لمنظمة التحرير, وقرارات المجالس الوطنية.
ويكلِّف المجلسُ الوطني اللجنة التنفيذية بصلاحيات ومسؤوليات الحكومة المؤقتة لحين إعلان تشكيل الحكومة.
أما إعلان الاستقلال فقد حدَّد المبادئ الأساسية لدى بناء هذه الدولة وأبرزها كما وردت في الوثيقة الأساسية فهي :" إنَّ دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا, فيها يطوِّرون (هُويَّتهم) الوطنية والثقافية, ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق, وتُصان فيها معتقداتُهم الدينية والسياسية, وكرامتهم الانسانية في ظل نظام ديموقراطي برلماني, يقوم على أساس حرية الرأي, وحرية تكوين الأحزاب, ورعاية الأغلبية حقوقَ الأقلية, واحترام الاقلية قرارات الأغلبية, وعلى العدل الاجتماعي, والمساواة, وعدم التميز في الحقوق العامة على أساس العرق, أو الدين أو اللون, أو بين المرأة والرجل, في ظل دستور يؤمّن سيادة القانون والقضاء المستقل, وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري, في التسامح والتعايش السمح بين الاديان عبر القانون.
كما ان وثيقة الاستقلال أعلنت المبادئ الأساسية لسياسة دولة فلسطين الخارجية, وتلتزم هذه الدولة على الأخص بمبادئ التعايش السلمي, ومبادئ هيئة الأمم المتحدة, وأهدافها, وبالاعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومبادئ حركة عدم الانحياز وبرنامجها السياسي, وتهيب دولة فلسطين بالأمم المتحدة _ التي تتحمل مسؤولية خاصة تجاه الشعب العربي الفلسطيني ووطنه – وبشعوب العالم ودوله المحبة للسلام والحرية أن تساعدها على تحقيق أهداف الشعب العربي الفلسطيني, ووضع حد لمأساة هذا الشعب, بتوفير الأمن له, وبالعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية, كما تم التأكيد على أن دولة فلسطين تؤمن بتسوية المشاكل الدولية والاقليمية بالطرق السلمية, ووفقاً لميثاق الامم المتحدة وقراراتها, وأنها ترفض العنف, أو التهديد بالقوة ضد سلامة أراضيها.
كما نصت وثيقة إعلان الاستقلال على أنه مع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب العربي الفلسطيني بتشريده وحرمانه من حق تقرير المصير, إثر قرار الجمعية العامة رقم 181 بتاريخ 1947/11/29 , فإن هذا القرار مازال يوفِّر شروطاً للشرعية الدولية
تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني وإقامة دولته.
لقد أكد البيان السياسي في صياغته على ضرورة حل القضية الفلسطينية كونها جوهر الصراع العربي الصهيوني، واقترح المجلس الوطني إنعقاد المؤتمر الدولي الفعَّال والخاص بقضية الشرق الأوسط، واشراف الأمم المتحدة، ورعاية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي, وبمشاركة جميع أطراف الصراع في المنطقة, بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
كان البيان السياسي بالغَ الأهمية وقد تناول مجموعة من المسائل المتعلقة بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني:
أ‌- انسحاب الاحتلال الصهيوني من جميع الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها من العام 1967.
ب‌- إلغاء جميع إجراءات الإلحاق والضم، وإزالة المستعمرات التي اقامتها (إسرائيل) في الاراضي الفلسطينية والعربية من العام 1967.
ج- وضع الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الغربية-تحت إشراف الأمم المتحدة لتوخي مناخ مناسب لإنجاح أعمال المؤتمر الدولي.
د- حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الامم المتحدة الخاصة بهذا الشأن.
هـ - وبحكم تفاعل الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة, والنهوض الوطني والسياسي، والبنية الاجتماعية والوطنية, ونضوج العمل الاجتماعي والشعبي، وتشكيل اللجان القيادية في المخيمات، هذا التطور أدى إلى بلورة الاعلان عن قيام دولة فلسطين العربية ، خاصة أن كل هذه التطورات الايجابية كانت تتم تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الحكومة في المنفى، وفقاً لمبادئ القانون الدولي، وقد اعترفت الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة في 15/ك1 1988 في دورتها الثالثة والاربعين المنعقدة في جنيف بقيام دولة فلسطين، مشيرة إلى أن إعلان هذه الدولة جاء تنفيذاً مكملاً لقرار الجميعة العامة رقم 181 الصادر يوم 29 ت2 1947.
في هذه المناسبة نؤكد بأن القرارات الدولية المساندة لكفاح شعبنا الفسطيني هي حصيلة كفاح وطني طويل وشاق على طريق التحرير، وقد جاء تتويجاً للتضحيات الجسيمة التي قدمناها عبر سنوات التحدي والصمود والثبات على أرضنا، وتمسكنا بحقوقنا. كما نؤكد بأنَّ هذه القرارات التاريخية مكتوبة بدماء شعبنا الذي لم يغادر مواقع الصمود والتحدي.
إنَّ المتغيِّرات التي شهدها العالم بعد تفكُك الاتحاد السوفياتي، وبعد الانقلاب الأميركي والصهيوني على أتفاق أوسلو، وشلِّه لتعطيل أية محاولات لإنصاف الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته الفلسطينية على الاراضي المحتلة العام 1967، وعاصمتها القدس . وبالتالي كان مجيئ الرئيس الاميركي ترامب ، وهو الذي لا يمتلك أية قيم أو مبادئ, أو حتى انتماء للقيم السياسية والاخلاقية المتعارَف عليها، وبهذا السلوك فقد حاول نسف أحلام الشعب الفلسطيني وطموحاته، وآماله المرسومة. وبذلك نحن اليوم كشعب فلسطيني وأمام واقع ترامب الصهيوني الانكليكاني المتطرف ودعمه المطلق لنتنياهو، وأمام نتائج الانتخابات الاميركية الاخيرة، فانه ليس امامنا كشعب عربي وصاحب أهم تجربة ثورية إلاَّ أن نأخذ قرارنا المصيري, وهو تصعيد كفاحنا المقاوم اليومي والشامل كي نردع الاحتلال الصهيوني ونُرْغمهُ على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية التي فرضناها من خلال قوافل الشهداء وعذابات الأسرى. وعلينا أن نعي تماماً أهمية إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية وبدون تلكُّؤ, لأنَّ المصالحة هي الضمانة لاستمرارية ثورتنا الفلسطينية.
إنَّ الوحدة الوطنية, وتصعيد المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها, وبما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية, هي اللغة التي يفهمها العدو الصهيوني العنصري, وعلينا أن لا ننسى بأننا نحن شعب الجبارين, ونحن حماةُ القدس, وأحفاد صلاح الدين, ونحن تلامذةُ ياسر عرفات و عبدالقادر الحسيني, وخليل الوزير وقوافل الشهداء. ونحن الذين أقسمنا اليمين ومازلنا على العهد والوفاء لفلسطين.

المجد والخلود لشهدائنا الابرار.
والحرية لأسرانا البواسل.
والشفاء لجرحانا.
وانها لثورة حتى النصر

قيادة حركة فتح في لبنان
إعلام الساحة اللبنانية
2020/11/15

   

اخر الاخبار