السلبية .. بقلم زياد الزين
تاريخ النشر : 27-01-2021
هكذا لمن يعيش في وطن يؤول كل ما فيه الى السلبية باستثناء جائحة تسجل معدلات تراكمية يومية في الايجابية لتختفي المؤشرات العلمية في مواجهة الأزمة الصحية وكافة الازمات الموازية وفي مقدمها أزمة الحكومة التي تفاقمت الى ازمة حكم وما تنطوي عليها من الترددات الاقتصادية والاجتماعية, مع السير حكما نحو خروج عدة سلع حياتية حيوية من حضن الدعم لتصبح مكشوفة امام دولار أسود. وان كان استخدام مصطلح الترشيد أو الترشيق تهذيبا لقرارات جارحة في ظل هذا المشهد, يطغى التنبؤ على التخطيط في سياسات تخبط غير متوازنة. لطالما نادت حركة أمل بوزارة للتخطيط او التصميم تشكل الذاكرة الواعية ليس للسياسات والاستراتيجيات فحسب, انما لقيمة ووزن الخطط ومدى ملاءمتها لملامح المراحل الزمنية القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى واستبعاد سياسات اسقاط. عادة ما تتبنى الارتجال والتجربة, وما ينتج عنها من احتمالات صواب وخطأ.

المهم في كل هذه المقدمة النظرية انها توصف بأقل ضرر حالة الاحتضار المؤسساتية التي تمعن الانانيات والنزوات والشهوات السياسية في اعلاء شأنها رأفة برؤية اصحابها لملاكات تعاقادتهم الجامحة التي قد تصطدم افقيا بتقاعدهم الدائم لانهم افتقدوا كل قوى التأثير ؛ فرفعوا شأن الشعارات واسقطوا قيم الممارسة السياسية. لا جودة في الخطاب, ولا جدوى في المواقف. باستثناء مسار نعترف ونقر انهم نجحوا في تسويقه وتوسيع نطاقه الشعبوي المتمثل باعادة خياطة اثواب الطائفية والمذهبية. واحتكار كامل لأطر الآداء السياسي في غرف مليئة بردات الفعل أبطالها كثر مع عرض المنكبين, والنطق بلسانين, فبات المجهول معلوما ، والحقيقة وجهة نظر ينطقون بمن يلزم وليس بما يلزم. يؤدون الادوار من خلال الغرق بالعناوين التي يختارونها سلفا ويحضرونها للتسويق في حالة لا وعي وانكار دون الاعتراف بأن الزمن يسبقهم, وان زمن المراهقة السياسية قد ولى. ولا يمكن للاعبي الجيدو التحكم بمصير الوطن ومستقبله ...

كثيرة هي العناوين التي ينصاع لها مجتمعنا ملزما, يتطلع الى حكومة انقاذية. ليس من الضرورة ان يكون اكتمال مشهد تشكيلها دليلا على انتهاء الازمات وانطلاق عجلة الحلول. الا اننا ندعم الرهان النفسي والسلوكي لكل مواطن ينتظر جرعة أمل وهو يتيم الدواء, يقف مذهولا على باب الموت, يستجدي حكومة قائمة قانونيا ولو كانت في مرحلة تصريف الاعمال المنتشية من كثرة الهزائم والبطولات الوهمية في مشهد من التناقض يتناتش كل حالة صواب وعافية, وتحويل القرارات المصيرية في البلد الى مقبرة لجان متناحرة في مكوناتها وفي مكنوناتها, بما فيها اللجان المنوط بها صحة الناس وعافيتهم, متجاهلين ان كورونا لا طائفة ولا مذهب له باستثناء طائفة المصالح الربحية والانتفاعية التي يبدو أنها الاكثر تأثيرا في القرارات تتحكم بفتح البلد واغلاقه على مقياس ارباحها وتتجرأ بلؤم غير مسبوق على خطف كل بوالص أمان الناس وأمنهم الصحي والاجتماعي فتكرر مشاهد الاقفال المثقوبة باستثناءات غير مفهومة وغير موضوعية معطوفة على قرارات سابقة مناقضة تماما سمحت بفتح البلاد طولا وعرضا. يريدون مناعة القطاعات وتحصينها في مقابل تحطيم المنظومة الطبية بالكامل ومخزونها الانساني الراقي ليتكرر الحديث المتجذر عن موضوع الحكومة قيد التشكيل او التأليف, حيث لا يجب ان نتوقف عند حدود التوصيف بان الثقة المفقودة وحدها هي المانع والحائل انما النوايا المضمرة لدى بعض جهات التشكيل وعملية الترصد عن بعد المشابهة للجبهات الميدانية والوساطات هنا تسقط قبل ان تبدأ لانها ستصطدم بإصرار هذه الجهات على لعبة المراهنات: تارة في تغليب الاقليمي على المحلي او بالحد الادنى الاصرار على ربط المحلي بالاقليمي.

فكيف لنا ان نصدق ان الادارة الاميركية ستغلب اهمية الملف اللبناني على اعادة ترتيب الوضع الداخلي الأميركي ومواجهة زحف كورونا والاصابات المحلقة والوفيات التي لا تحصى، او ان تبدأ الادارة الأميركية بالتفاهمات الدولية قبل ان تنتهي من تحصين ابوابها كافة بما فيها الدبلوماسية، واعادة الحياة الى مؤسساتها الدستورية والقانونية التي تعرضت في احد مقراتها للاستباحة في ظاهرة هي المؤشر الفعلي لسقوط شكل هام من ممارسات الديمقراطية فيها. لعل الجهات العجولة المصادرة للحياة السياسية وربطا حياة الناس يجب ان تدرك ان الصيف بعيد للارتهان الى حلول دولية وان استحقاق رئاسة الجمهورية ابعد، حرق الاوراق مبكرا ليس لصالح احد، فلا تهدموا ما تبقى من بلد وانسان.

لا ادعو في هذه المرحلة المجنونة الى الرشد السياسي والتعقل، فقد انكشفت الوجوه ومعها انكشفت النوايا والمصالح، هناك من يريد انقلابا دستوريا في البلد: لم يستسغ الطائف ولا اعجب بنتائج الدوحة، ونحن بالمقابل نجاهر بانقلاب عميق مع براءة اختراع. قانون انتخاب مدني عصري قائم على الدائرة الانتخابية الواحدة مع النسبية، ليلفظ الوطن نواب الطوائف ويرحب بنواب الأمة. سعينا ودعاؤنا ان يسقط هذا الخطاب المريض الذي يعليه البعض في كل الصروح وامام كل الشاشات، وان يتقدم اهل الثقة لزرع المبادرات وتقريب المسافات وتدوير الزوايا مع تثبيت أسس ودعائم التوافق والحوار الوطني.

وفي كل مرة سقط فيها البلد في المحظور، لا بديل عن يدك البيضاء ورحاب فكرك الواسع.

أمل البلد..

   

اخر الاخبار