تحليل اقتصادي: قرار عكس التيار لمصرف لبنان... ما فعله بكمية السيولة بالليرة صدم الجميع وزاد الضغط على سعر الصرف... فهل سينتهي المفعول قريبا وينخفض الدولار ام مفعوله طويل الامد؟!
تاريخ النشر : 02-03-2021
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
"تحت عنوان "الاحتياطي نفد والمصارف في السوق السوداء: سقوط الليرة"، كتب علي نور في "المدن":

على مدى الأسبوعين الماضيين، تقاطعت عدّة أسباب لتدفع سعر صرف الليرة اللبنانيّة نحو سقوط حر متفلّت من أي ضوابط، فيما أصبحت هذه الظاهرة الشغل الشاغل للبنانيين، الذين باتوا يشاهدون بأم العين قدرتهم الشرائيّة تتهاوى مع كل انهيار إضافي في سعر الصرف. ويشير المتابعون إلى ارتباط هذه التطوّرات بمعادلات مستجدة غيّرت توازنات العرض والطلب في السوق منذ منتصف الشهر الماضي. بينما تشير كل المعطيات إلى أن هذه العوامل ستستمر بالضغط على سعر صرف الليرة بالزخم نفسه خلال المرحلة المقبلة.

شح الدعم
لم يدخل مصرف لبنان حتّى اللحظة مرحلة رفع الدعم الصريح عن المواد الأساسيّة، كما لم تطرح الحكومة لغاية اليوم أي خطّة لترشيد هذا الدعم وفقاً لأولويات واضحة. لكنّ شح الاحتياطات المتبقية والقابلة للاستخدام لدى مصرف لبنان، دفعه طوال الأسابيع الماضية إلى تقنين استعمال هذه الدولارات إلى أقصى حد، سواء من خلال التوقّف عن تمويل بعض أصناف السلّة الغذائيّة المدعومة، أو الامتناع عن سداد فواتير بعض أنواع المستلزمات الطبيّة. وفي حالات أخرى، عمد المصرف المركزي إلى تعقيد المعاملات الروتينيّة الهادفة إلى تأمين التمويل المطلوب للاستيراد، بهدف دفع المستوردين إلى التوجّه نحو السوق الموازية وتحميل فرق الأسعار للمستهلك.

نتيجة هذه العوامل والتدابير كان تزايد اللجوء إلى السوق الموازية، لتأمين الدولارات المطلوبة لاستيراد بعض المواد الغذائيّة أو المستلزمات الطبيّة، التي كان يعتمد استيرادها على دولارات المصرف المركزي، ما أدّى إلى تزايد الضغط على سعر صرف الليرة خلال الفترة الماضية. مع العلم أن جميع التوقعات ترجّح مضاعفة هذا الضغط خلال الأشهر المقبلة مع دخول لبنان في مرحلة رفع الدعم، أو على الأقل ترشيده بشكل صريح. خصوصاً أن هذه الإجراءات لن تترافق مع خطّة اقتصاديّة متكاملة ومدروسة، تكفل ضبط سعر الصرف بعد رفع الدعم.

مضاربة المصارف
28 شباط الماضي كان نهاية المهلة التي منحها المصرف المركزي للمصارف اللبنانيّة، لتكوين سيولة جاهزة في حساباتها لدى المصارف المراسلة، بنسبة 3% من إجمالي الودائع الموجودة لديها بالعملات الأجنبيّة. ومع اقتراب المصارف من بلوغ هذه المهلة، تواترت الأنباء عن انتشار شبكة من "صرّافي الشنطة"، الذين عملوا على شراء الدولارات من السوق بأعلى من الأسعار الرائجة، بهدف بيعها للصرافين الكبار الذين كانوا يقومون بجمعها لمصلحة المصارف. وفي الوقت نفسه، كانت المصارف تقوم بجمع الدولارات من السوق من خلال أساليب أخرى، كبيع الشيكات المصرفيّة أو منح المقترضين حسومات تصل لحدود 70% مقابل سداد القروض بالدولار النقدي.

كل هذه العوامل ساهمت خلال الأسابيع الماضية بالضغط على سعر الصرف، من خلال تجفيف السوق من الدولارات النقديّة، وضخ كمية من السيولة بالليرة اللبنانيّة، التي استخدمتها المصارف لشراء الدولارات عبر الصرافين. ورغم انتهاء المهلة بحلول نهاية الشهر الماضي، يبدو أن المصارف التي لم تنجح بتأمين السيولة المطلوبة منها ستستمر بهذا النوع من العمليات. خصوصاً أن مصادر مصرف لبنان تؤكّد أن الأسابيع المقبلة ستشهد فترة من المداولات بين لجنة الرقابة على المصارف والمصارف التي كانت على وشك تحقيق الزيادات المطلوبة في حساباتها لدى المصارف المراسلة قبيل انتهاء المهلة، لإعطاء هذه المصارف فرصة تأمين هذه الزيادات من دون إعلان تعثّرها.

فتح الأسواق التدريجي
منذ منتصف كانون الثاني، دخلت البلاد مرحلة طويلة نسبيّاً من الإقفال الشامل، الذي شمل معظم الأنشطة التجاريّة والاستهلاكيّة. ورغم تفاوت نسب الالتزام بهذا الإقفال بين المناطق، كان من الواضح أن إقفال الأسواق التجاريّة الكبرى والمصانع والمؤسسات ساهم في فرملة عجلة الاستهلاك والاستيراد إلى حد كبير، مع ما يعنيه هذا الأمر من تقليص الحاجة إلى الدولارات النقديّة المطلوبة للاستيراد. ومع دخول البلاد في مرحلة الفتح التدريجي للأسواق والمؤسسات التجاريّة، عاد الطلب على الدولارات إلى الارتفاع من جديد، خصوصاً أن اعتماد البلاد على الاستيراد يربط بشكل تلقائي الغالبيّة الساحقة من النشاطات الاقتصاديّة أو التجاريّة بالطلب على الدولار.

ضخ السيولة بالليرة
كان من المفترض أن يكون مصرف لبنان قد دخل منذ السنة الماضية في مسار يهدف إلى الحد من حجم النقد المتداول بالعملة المحليّة في الأسواق، بعد أن تضخّم حجم هذه الكتلة النقديّة بشكل مخيف خلال السنة الماضية. وهو ما أدى إلى تزايد وتيرة التهاوي في سعر الصرف. وقد دفع معظم أصحاب الودائع ثمن هذا المسار، من خلال القيود التي فرضتها المصارف على عمليات السحب النقد بالليرة اللبنانيّة، كما دفع المستوردون ثمن هذه الإجراءات أيضاً مع اشتراط مصرف لبنان تأمين الأموال المطلوبة لاستيراد السلع المدعومة بالسيولة الورقيّة.

لكن خلال الأسابيع الماضية، تفاجأ المراقبون بنتيجة معاكسة تماماً، إذ ارتفع حجم السيولة الورقيّة المتداولة في الأسواق بالعملة المحليّة بنحو 2.93 ألف مليار ليرة لبنانيّة، منذ بداية السنة ولغاية منتصف شهر شباط. بمعنى آخر، تسارعت عمليات ضخ السيولة بالليرة في الأشهر الأولى من العام، بدل أن تكون النتيجة امتصاص هذه السيولة. أما السبب الذي يشير إليه معظم الخبراء، فليس سوى عمليّة تسييل الدين العام، أي لجوء مصرف لبنان إلى خلق النقد لإقراض الدولة، من أجل سداد الدين الذي يستحق لمصلحة المصارف بالليرة اللبنانيّة. وطالما أنّ هذا النوع من العمليات مستمر في المرحلة المقبلة، فمن الأكيد أن الضغط على سعر صرف الليرة مستمر من دون انقطاع.

مع العلم أن هناك مصدر آخر لضخ السيولة بالليرة في الأسواق، ويكمن في تطبيق التعميم رقم 151، الذي يقضي بسداد قيمة الودائع الدولاريّة بالليرة اللبنانيّة وفقاً لسعر المنصّة. وهذا التعميم سيستمر بتشويه بنية الكتلة النقديّة بالليرة اللبنانيّة، إلى حين إيجاد حل لمشكلة تعثّر القطاع المالي، وعدم قدرته على سداد الالتزامات للمودعين. وهنا يشير بعض المتابعين إلى أن وفد صندوق النقد حذّر الوفد اللبناني المفاوض خلال جلسات المفاوضات من خطورة هذا النوع من المعالجات على مستقبل الأزمة الماليّة، من دون أن يلقى وفد الصندوق أي آذان صاغية.

من يسأل عن مصالح اللبنانيين؟
حتّى اللحظة، ما زال الجميع يتعاطى مع أزمة سعر الصرف بمنطق الاستقالة من مسؤولياتهم. لجنة الرقابة على المصارف لم تبدِ أي اهتمام بمراقبة سلوك المصارف في السوق السوداء، وتحوّلها إلى مضارب ينافس المستوردين على الدولارات المتوفّرة في الأسواق. حاكم مصرف لبنان لا يسأل عن إساءة تطبيق موجبات إعادة الرسملة، وتحوّل هذه العمليّة من مسار يسعى لاستقطاب دولارات جديدة من الخارج إلى النظام المالي، إلى مسار يساهم في سحب دولارات السوق اللبنانيّة إلى المصارف المراسلة في الخارج. والهيئة المصرفيّة العليا لا تحرّك ساكناً إزاء المعطيات التي تحتّم عليها التدخّل ووضع حد لهذه التجاوزات.

في المقابل، تتعاطى حكومة تصريف الأعمال بمنطق تمرير الوقت، من دون أن تسأل عن خطوات حاكم المصرف المركزي أو تتدخّل بها. لا بل يبدو أن هذه الحكومة كرّست مبدأ تحرير الحاكم من أي رؤية رسميّة لكيفيّة التعامل مع الأزمة النقديّة، خصوصاً في ظل غياب أي خطة ماليّة رسميّة تهدف لاستعادة الانتظام في عمل النظام المالي، وفي ظل عدم وجود حكومة مكتملة الصلاحيات لتنجز خطّة كهذه. أما الرئيس المكلّف ورئيس الجمهوريّة، فمنهمكان في تراشق الاتهامات في ما يخص تعطيل تشكيل الحكومة، بعيداً عن أي اهتمام في ما يخص رؤية الحكومة المقبلة للتعامل مع الأزمة الحاليّة. أمام هذا المشهد السوداوي، لا يوجد من يسأل عن مصالح اللبنانيين أو مخاطر أزمة بحجم انهيار سعر الصرف، وكل الأمور تنبىء برحلة قاسية نحو المجهول.

   

اخر الاخبار